هبة زووم – أحمد الفيلالي
في زمن تُصبح فيه الإعفاءات مجرد أداة لتدبير الصراعات الداخلية، وربط المسؤولية بالمحاسبة شعاراً يتردد في البلاغات الرسمية بينما تُدار الملفات الحقيقية في الكواليس، تتحول وزارة التربية الوطنية من قاطرة للإصلاح إلى نموذج صارخ لانهيار مبدأ الاستحقاق وارتباك الحكامة التربوية.
مشهد لا يُثير فقط استياء الأسر والتلاميذ، بل يطرح سؤالاً جوهريا: إذا كانت التقييمات تُستخدم لتبرير الإقصاءات السياسية، فكيف ننتظر من الإصلاح أن يكون نزيهاً؟ وأي مسؤولية هذه التي تسمح لـ”لوبي الوزارة” بأن يُغرق قطاعاً حيوياً في بحر من الفوضى الممنهجة تحت غطاء ضخ دماء جديدة؟
فبينما تعلن وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة إنهاء مهام المديرين الإقليميين بكل من إقليمي صفرو وإفران، في خطوة وصفتها البلاغات الرسمية بأنها حازمة وتندرج في إطار تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
ورغم أن الظاهر من القرار يصب في خانة تحسين الأداء الإداري، إلا أن باطنه يفتح باب التأويل على مصراعيه، خاصة في ظل معطيات تتحدث عن صراعات خفية ورغبة في “ضخ دماء جديدة” موالية، مما يطرح سؤالاً جوهرياً: هل نحن أمام إصلاح حقيقي يخدم المدرسة، أم مجرد تدبير لصراعات النفوذ داخل دهاليز الوزارة؟
فحسب المصادر الرسمية، فإن الإعفاءات جاءت نتيجة تقييم دقيق كشف عن عجز المسؤولين المقالين عن التفاعل الإيجابي مع طموحات الوزارة، وفشلهما في التنزيل الأمثل للمخططات الاستراتيجية، مما أثر سلباً على المردودية العامة للمؤسسات التعليمية والنتائج الدراسية للتلاميذ، وهو تبرير يبدو منطقياً من حيث المبدأ، خاصة في قطاع حيوي كالتعليم يحتاج إلى دينامية ونتائج ملموسة على الأرض.
غير أن مصادر مطلعة داخل القطاع تكشف عن وجه آخر للعملة، مؤكدة أن القرارات لا تخلو من أبعاد سياسية داخلية، حيث تهدف إلى إعادة تشكيل المشهد عبر “تبليص” أسماء مقربة من الكاتب العام الجديد، وإبعاد كل من تجرأ على قول “لا” أو تلكأ في تنفيذ أوامر “لوبي معروف” يسيطر على مقاليد التسيير داخل الوزارة.
وهو ما يثير استغراب المتتبعين، الذين يتساءلون عن سبب استمرار هذا “اللوبي” في الجثوم على صدر القطاع رغم تعاقب الوزراء وفشل معظم البرامج المعتمدة.
فتكرار سيناريو الإعفاءات دون معالجة جذرية لأسباب الفشل المزمن يجعل من “ربط المسؤولية بالمحاسبة” شعاراً يفتقد للمصداقية في نظر الرأي العام، فكيف يمكن الحديث عن محاسبة المسؤولين الإقليميين على نتائج سلبية، بينما تظل القيادات العليا المسؤولة عن رسم السياسات الفاشلة بعيدة عن أي محاسبة حقيقية؟ وهل يعقل أن يُحمّل المدير الإقليمي وزر فشل مخططات وضعتها الوزارة المركزية؟
الأخطر من ذلك، أن هيمنة ثقافة الولاء على كفاءة التدبير في التعيينات والإعفاءات قد تنذر بفوضى غير مسبوقة داخل المصالح الإقليمية، حيث قد ينشغل المسؤولون الجدد بتثبيت أقدامهم وإرضاء الجهات النافذة بدلاً من التركيز على هموم التلميذ والأستاذ، وهو ما يهدد بتعميق الفجوة بين الخطاب الإصلاحي للوزارة والواقع الميداني الذي يعاني من اختلالات بنيوية تتجاوز الأشخاص إلى السياسات.
إن مدرسة عمومية منهكة لا تحتاج إلى حرب كراسي ولا إلى تصفية حسابات، بل تحتاج إلى استقرار إداري، وكفاءة في التدبير، وشفافية في المحاسبة تشمل الجميع دون استثناء.
فإذا كانت الوزارة جادة في إصلاحها، فإنها مدعوة إلى فتح تحقيق شفاف في أسباب الفشل المتكرر لبرامجها، ومحاسبة كل من ثبت تقصيره سواء كان مديرًا إقليميًا أو مسؤولاً مركزيًا، بعيداً عن منطق الولاءات واللوبيات.
في المحصلة، تبقى إعفاءات صفرو وإفران مجرد حلقة في مسلسل طويل من التغييرات الإدارية. لكن السؤال الذي يظل معلقاً هو: هل ستخدم هذه التغييرات التلميذ المغربي فعلاً، أم أنها مجرد إعادة توزيع للأوراق ضمن لعبة كراسي لا يسمع صراخها إلا من في الداخل؟ الجواب لن يكون في البلاغات الصحفية، بل في نتائج التلاميذ وجودة التمدرس خلال المواسم القادمة.
تعليقات الزوار