ملايين تصرف على التظاهرات.. والفلاح البسيط بجهة الدار البيضاء-سطات ما زال يبحث عن الماء والدعم والتسويق
هبة زووم – أحمد الفيلالي
في الوقت الذي تواصل فيه المؤسسات الرسمية الترويج لما تسميه “النجاحات” المحققة في قطاع الاستشارة الفلاحية بجهة جهة الدار البيضاء سطات، من خلال لغة الأرقام والبلاغات الاحتفالية، يطرح الواقع الميداني أسئلة محرجة حول الجدوى الحقيقية لكل هذه الأنشطة والمعارض والملتقيات التي أصبحت أقرب إلى استعراضات موسمية منها إلى سياسات عمومية قادرة على إنقاذ الفلاح المغربي من أزماته المتراكمة.
فالحديث عن استفادة أكثر من 1000 فلاح وفلاحة من خدمات المواكبة والتأطير خلال المشاركة في المعرض الدولي للفلاحة بمكناس، قد يبدو رقماً لافتاً في البلاغات الرسمية، لكنه يفقد الكثير من بريقه أمام واقع آلاف الفلاحين الذين يواجهون يومياً الجفاف وغلاء الأعلاف وارتفاع كلفة الإنتاج وانهيار القدرة الشرائية، دون أن يلمسوا أثراً فعلياً لهذه “الاستشارة الفلاحية” التي يتم التسويق لها بشكل مكثف.
لقد تحولت معارض الفلاحة والتظاهرات القطاعية، في كثير من الأحيان، إلى فضاءات للبهرجة والتقاط الصور وتوزيع الشعارات الفضفاضة، بينما تستمر معاناة الفلاح البسيط في القرى والمناطق الهامشية بعيداً عن الأضواء والكاميرات.
فالفلاح اليوم لا يحتاج فقط إلى أروقة أنيقة وندوات تقنية، بل يحتاج قبل كل شيء إلى الماء والدعم الحقيقي والأسواق العادلة والحماية من المضاربين والوسطاء الذين يلتهمون عرقه ومجهوده.
ورغم الحديث المتكرر عن “مواكبة النساء والشباب” وتشجيع المشاريع المبتكرة، فإن الواقع يكشف أن عدداً كبيراً من شباب العالم القروي ما زالوا يغادرون أراضيهم نحو المدن أو يفكرون في الهجرة، بسبب غياب نموذج فلاحي يضمن الكرامة والاستقرار والدخل اللائق.
أما النساء القرويات، اللواتي يتم استحضارهن بكثرة في الخطابات الرسمية، فما زلن يعانين التهميش والهشاشة وضعف الولوج إلى التمويل والتكوين والتسويق.
الأكثر إثارة للانتباه أن هذه المؤسسات تواصل الحديث عن “النجاحات” وحصد الجوائز، في وقت يعيش فيه القطاع الفلاحي واحدة من أصعب مراحله بسبب توالي سنوات الجفاف وارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع مردودية عدد من السلاسل الفلاحية، وهو ما يجعل التساؤل مشروعاً: ما القيمة الحقيقية لكل هذه الجوائز إذا كان الفلاح نفسه يزداد فقراً وهشاشة؟
إن الاستشارة الفلاحية لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد آلة دعائية لتلميع صورة المؤسسات، بل يفترض أن تكون أداة حقيقية لتغيير واقع العالم القروي وتحسين ظروف الفلاحين ومساعدتهم على مواجهة التحديات اليومية، أما الاكتفاء بتنظيم المشاركات في المعارض وإصدار البلاغات الاحتفالية، فلن يغير شيئاً من واقع الأزمة التي يعيشها القطاع.
وإذا كانت جهة جهة الدار البيضاء سطات تريد فعلاً تقديم نموذج ناجح في التنمية الفلاحية، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في عدد المستفيدين داخل المعارض، بل في قدرة السياسات العمومية على إعادة الثقة للفلاح المغربي، وتحويل الاستشارة الفلاحية من “واجهة مناسباتية” إلى رافعة تنموية حقيقية يشعر المواطن القروي بأثرها داخل الحقل قبل قاعات المعارض.