مقبرة الإحسان تُشعل فتيل الصراع وبيان ناري للعدالة والتنمية يفضح “غرفة تسجيل” مجلس جهة الدار البيضاء-سطات!

هبة زووم – الدار البيضاء
في بيان ناري وصفه متتبعون بالأقوى منذ انتخابات 2021، أصدرت الكتابة الجهوية لحزب العدالة والتنمية بجهة الدار البيضاء-سطات، يوم الخميس 12 مارس 2026، كشفًا مفصلاً لما وصفته بمهزلة الجلسة الثانية للدورة العادية لمجلس الجهة، خاصة فيما يتعلق بانتخاب ممثلي المجلس في مجلس مجموعة الجماعات التضامن المكلفة بتدبير شؤون مقبرة الإحسان.
فبينما يُفترض أن تكون الجهة، كأكبر قاطرة اقتصادية بالمملكة، فضاءً للتدبير الرشيد والرؤية التنموية الاستراتيجية، تحولت جلسات مجلسها، بحسب البيان، إلى “غرفة تسجيل” تُمرر فيها القرارات بسرعة، وتُشن فيها حروب استقواء بين مكونات الأغلبية، في مشهد يعكس، حسب الحزب، ارتباكاً حقيقياً في التدبير وفشلًا ذريعًا في قيادة شؤون جهة حيوية.
ولم يتردد البيان في اتهام الأغلبية المسيرة للمجلس بـ”التواطؤ” على التصويت السريع لنقاط جدول الأعمال، رغم الإخلال الصارخ بأحكام القانون التنظيمي 111.14 المتعلق بالجهات، لا سيما المادة 38 التي تلزم رئيس المجلس بتمكين الأعضاء من الوثائق الكاملة قبل سبعة أيام على الأقل من انعقاد الدورة.
فبدلاً من نسخ كاملة من الاتفاقيات المعروضة للمصادقة، اكتُفي، حسب البيان، بملخصات مبتورة لا تمكن المستشارين من الاطلاع على الصيغة النهائية الملزمة للأطراف، ولا من دراستها دراسة وافية، ولا من بناء رأي موضوعي بشأنها.
والسؤال الجوهري: كيف يمكن لمجلس منتخب أن يصادق على اتفاقيات ملزمة دون الاطلاع على نصوصها الكاملة؟ وأي “مسؤولية” هذه التي تحول الأعضاء إلى “شهود زور” على قرارات لم تُتح لهم شروط دراستها؟
فتحويل المساطر القانونية من ضمانة للشفافية إلى عقبة إجرائية يتجاوزها التصويت السريع، لا يُهدد فقط شرعية المقررات، بل يُرسّخ ثقافة القرار من فوق التي تُفرغ المؤسسات المنتخبة من مضمونها الديمقراطي.
هذا، ولم يكتفِ البيان بانتقاد سرعة التصويت، بل ذهب إلى أبعد من ذلك بالإشارة إلى الإصرار على التمرير السريع لإحدى الاتفاقيات مع إحدى الجمعيات، بالرغم من وجود شبهات حول تورط رئيسها باختلاس أموال سبق أن حصل عليها من إحدى المؤسسات الأوربية.
هذا الكشف الخطير يطرح إشكاليات وجودية: لماذا لا تُخضع الجهة الجمعيات المستفيدة من دعمها لتدقيق مالي صارم قبل منح الاعتمادات؟ وأين هي لجان المراقبة التي يفترض أن تتحقق من شفافية تدبير الجمعيات للأموال العمومية؟ وكيف يمكن منح الدعم لجمعيات “مشبوهة” بينما تُحرم جمعيات أخرى من حقها في التمويل؟
فاستمرار الغموض حول معايير منح الدعم الجمعوي لا يُغذي فقط شكوك الرأي العام، بل يُهدر المال العام في قنوات قد لا تكون مشروعة، ويُضعف ثقة المواطنين في قدرة المؤسسات على محاربة الفساد.
وبعد تمرير نقاط جدول الأعمال بسرعة، استيقظت مكونات الأغلبية، حسب وصف البيان، “لتشن حرباً ضروساً فيما بينها، وتتصارع حول انتخاب ممثلي المجلس في مجموعة الجماعات التضامن والتي ستتولى تدبير مقبرة ‘الإحسان”.
هذا المشهد، بحسب الحزب، يعكس طبيعة الأولويات لدى رئاسة المجلس وأغلبيته الهشة، حيث تتحول إدارة مقبرة إلى ساحة تصفية حسابات بينما تبقى الملفات التنموية الكبرى للجهة مهمشة.
والسؤال الاستراتيجي: كيف يمكن لمواطني الدار البيضاء-سطات أن يثقوا في مجلس جهوي ينشغل بصراع الكراسي على تدبير مقبرة، بينما ينتظرون مشاريع تنموية تُحسن جودة عيشهم وتخلق فرص شغل؟
فتحويل المرفق الجنائزي من خدمة عمومية إلى غنيمة سياسية لا يُهدد فقط كرامة المتوفين وأهاليهم، بل يُعمّق شعور المواطنين باللامبالاة المؤسسية التي تُقدّم المصالح الضيقة على المصلحة العامة.
وأكد البيان أن تصويت مستشاري الحزب بالرفض شبه التام على مجمل نقاط جدول الأعمال لم يكن موقفاً سياسياً معزولاً أو معارضة شكلية، بل جاء تأكيدا على ضعف المضمون، واحتجاجا على غياب الوثائق الكاملة، وعلى خرق المساطر القانونية.
هذا الرفض المبدئي يطرح أسئلة محرجة: لماذا لا تستمع رئاسة المجلس لتنبيهات المعارضة حول الاختلالات القانونية قبل فوات الأوان؟ وأين هي روح الشراكة التي يفترض أن تحكم عمل المجلس بينما تُواجه التنبيهات بالاستخفاف والإنكار؟ وكيف يمكن بناء أغلبية منسجمة بينما تُشن حروب داخلية على أدق التفاصيل؟
فتحويل المعارضة من شريك في البناء إلى صوت في صحراء لا يُضعف فقط فعالية المجلس، بل يُهدر فرص الإصلاح التي يحتاجها المواطن.
ولم يغفل البيان عن تذكير الوالي امهيدية بمسؤوليته في توجيه المسؤولين على تدبير شؤون الجهة إلى الالتزام بأحكام القانون التنظيمي وباقي النصوص التشريعية الجاري بها العمل، معتبراً أن كل المقررات التي يتخذها المجلس دون التقيد بالضوابط القانونية، باطلة قانوناً.
هذا التذكير المسؤول يطرح سؤالاً وجودياً: كيف يمكن للوالي، كممثل للدولة، أن يضمن احترام القانون بينما تُخرق المساطر أمام مرأى ومسمع منه؟ واستمرار الصمت حول هذه الخرقات لا يُضعف فقط مصداقية المجلس، بل يُهدر هيبة الدولة في نظر المواطنين الذين ينتظرون من ممثليها فرض احترام القانون.
ولم يعد مقبولاً اليوم أن تُترك جهة بحجم الدار البيضاء-سطات رهينة ارتباك تدبيري وصراعات كراسي، ما يحتاجه المواطنون والمهتمون بالشأن الترابي اليوم هو احترام صارم للمساطر القانونية، خاصة المادة 38 من القانون التنظيمي 111.14، مع توفير الوثائق الكاملة للمستشارين قبل كل دورة.
كما يتطلب الأمر شفافية كاملة في منح الدعم للجمعيات، مع تدقيق مالي إلزامي ونشر نتائج المراقبة للرأي العام، بالإضافة إلى مراجعة أولويات المجلس، لتركيز الجهود على المشاريع التنموية الكبرى التي تخدم الساكنة، لا على “صراعات هامشية”.
ويُنتظر أيضاً فتح حوار جاد بين الأغلبية والمعارضة، لضمان نجاعة التدبير وتجنب “حروب الاستقواء” التي تُهدر الزمن التنموي، مع تدخل حازم من الوالي لضمان احترام القانون، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في خرق المساطر أو تبذير المال العام.
ما تعيشه جهة الدار البيضاء-سطات مع فضيحة الجلسة الثانية ليس خللاً إجرائياً عابراً، بل هو اختبار لمصداقية الحكامة الترابية وقدرة المسؤولين على تجاوز عقلية غرفة التسجيل لخدمة المصلحة العامة.
فإما أن تتحرك رئاسة المجلس والسلطات المعنية بجدية لاحترام القانون، وضمان الشفافية، وتركيز الجهود على التنمية الحقيقية، وإما أن تستمر ثقافة الفوضى التي تُحوّل مجلس الجهة من محرك للتنمية إلى ساحة تصفية حسابات وتُهدر ثقة المواطنين في قدرة مؤسساتهم على التدبير الرشيد.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد