حرب “مقبرة الإحسان” تُفجّر انقسام الأغلبية بجهة الدار البيضاء-سطات فمن يضحك على “صراعات الموتى”؟

هبة زووم – الدار البيضاء
في مشهد نادر يعكس عمق الأزمة التي تعيشها تحالفات التدبير الجهوي، شهدت الدورة العادية لمجلس جهة الدار البيضاء-سطات، المنعقدة الاثنين، “حرباً كلامية” حادة تسببت في انقسام علني بين مكونات الأغلبية، وذلك على خلفية انتخاب مندوبي المجلس داخل مجموعة الجماعات الترابية المكلفة بتدبير مقبرة الإحسان المتواجدة بإقليم مديونة.
فبينما بدأ النقاش في أشغال الدورة “هادئاً” ظاهرياً، لم تلبث نقطة “تدبير المقبرة” أن فجرت خلافات كامنة، لتتحول القاعة إلى ساحة لتبادل الاتهامات والرسائل السياسية بين أطراف في تركيبة المجلس الذي يرأسه عبد اللطيف معزوز عن حزب الاستقلال.
والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: كيف يمكن لموضوع “تدبير مقبرة” أن يُنتج كل هذا الاحتقان؟ وأي “أولويات” هذه التي تُقدّم “صراعات الموتى” على حاجات الأحياء؟
لم يتردد مصطفى حيكر، رئيس الفريق الاستقلالي بمجلس مدينة الدار البيضاء، في وصف ما جرى بـ”العرقلة الواضحة مع تعطيل أشغال دورة مجلس الجهة”، متهماً “أعضاء مستشارين بمجلس الجهة، والمحسوبين على التحالف”، بعرقلة المسار.
هذا الاتهام المباشر يطرح إشكالية وجودية للتحالف الحالي: كيف يمكن الحديث عن “تدبير مشترك” بينما يُمارس “الشلل الممنهج” ضد مكونات نفس الأغلبية؟ وأي “تحالف” هذا الذي يتحول إلى “ساحة حرب” عند أول استحقاق داخلي؟
إن استمرار هذا النمط لا يُهدد فقط “نجاعة التدبير الجهوي”، بل يُرسّخ ثقافة “الغنيمة السياسية” التي تُحوّل المؤسسات المنتخبة إلى “حلبة صراع” بدلاً من “فضاء خدمة عمومية”.
في خطوة تحمل دلالات رمزية وسياسية قوية، أعلن حيكر مقاطعة “وجبة الفطور التي دعت إليها العمدة اليوم الثلاثاء”، وكذلك “وجبة الفطور المرتقبة يوم 6 مارس لفائدة نساء الفريق، إلى حين إشعار آخر من طرف القيادة الحزبية الجهوية”.
هذا القرار يطرح أسئلة محرجة: هل أصبحت “الوجبات الرسمية” أداة للمساومة السياسية بدلاً من فضاء للحوار والتنسيق؟ وأين هي “روح الفريق الواحد” عندما تتحول “دعوات الفطور” إلى “ساحات مقاطعة”؟ وما هي الرسالة التي يُريد الفريق الاستقلالي إيصالها عبر هذه الخطوة: احتجاج مبدئي، أم “عقاب سياسي” مُعلَن؟
إن تحويل “آداب الضيافة” إلى “ورقة ضغط” يُرسل رسالة خطيرة مفادها أن العلاقات داخل الأغلبية لم تعد تقوم على “الثقة”، بل على “المحاسبة المتبادلة” و”العقوبات الرمزية”.
هذا، وتكتسي النقاشات حول “تدبير مقبرة الإحسان” بعداً رمزياً يتجاوز الجانب الإداري البحت، فحين تتحول “إدارة الموت” إلى “سبب انقسام” بين مكونات الأغلبية، فإن ذلك يعكس أزمة أولويات عميقة.
لماذا كل هذا الحرص على “تمثيلية المقابر” بينما تُهمل قضايا التنمية الحضرية، والنقل، والتشغيل، والخدمات الأساسية؟ وأي “تدبير رشيد” هذا الذي ينشغل بـ”توزيع مقاعد إدارة الموتى” بينما تنتظر أحياء كاملة مشاريع بنيوية عاجلة؟ وهل تعكس هذه “الحرب” صراعاً على “نفوذ رمزي” أكثر من كاهتماماً حقيقياً بتحسين خدمات الجنائز للمواطنين؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تتطلب تحليلاً معقداً، بل تكفي “جولة ميدانية” في أحياء الدار البيضاء-سطات لرؤية الفجوة بين “ما يُناقش في القاعات” و”ما يحتاجه المواطنون في الشوارع”.
ولا يمكن اختزال ما جرى في مجلس الجهة في “خلاف إجرائي عابر”، بل هو جرس إنذار يُدق في وجه تحالفات الدار البيضاء-سطات: عندما تتحول “النقاط الثانوية” إلى “أسباب انقسام”، فإن “القضايا الكبرى” تصبح مهددة بالشلل.
والسؤال الاستراتيجي: هل يستوعب شركاء الأغلبية رسالة حيكر، أم أنهم سيستمرون في “نهج العرقلة” الذي قد يكلفهم غالياً في الاستحقاقات القادمة؟
إن التاريخ السياسي يُعلّمنا أن “التحالفات القائمة على المحاصصة” مصيرها التآكل، وأن “الثقة المهدرة” يصعب استعادتها، فما يعيشه حزب الاستقلال اليوم قد يكون “بروفة” لأزمات أكبر تنتظر التحالفات الأخرى غداً.
لم يعد مقبولاً أن تُدار مؤسسات جهوية بحجم جهة الدار البيضاء-سطات بـ”عقلية الغنيمة” و”منطق الإقصاء”، ما يحتاجه المواطنون اليوم هو مراجعة عاجلة لمعايير توزيع المسؤوليات داخل التحالفات، مع اعتماد الشفافية والنتائج الانتخابية كمرجعية وحيدة.
كما يتطلب الأمر حواراً صريحاً بين مكونات الأغلبية، لتدارك الاختلالات ورأب الصدع قبل فوات الأوان، وإعادة ترتيب الأولويات، بحيث تُقدّم قضايا التنمية والخدمات على “المعارك الرمزية” و”توزيع الغنائم”، بالإضافة إلى تعزيز ثقافة التدبير المشترك، القائمة على الاحترام المتبادل والتوازن، لا على “الاستقواء” و”العرقلة”، ولا بد أيضاً من محاسبة داخلية لمن يخرق “روح التحالف” ويتصرّف بمنطق “الغنيمة” على حساب المصلحة العامة.
ما تعيشه جهة الدار البيضاء-سطات مع أزمة “مقبرة الإحسان” ليس “خلافًا إجرائياً عابرًا”، بل هو اختبار لمصداقية التدبير الجهوي وقدرة التحالفات على تجاوز “صراعات الغنيمة” لخدمة المصلحة العامة.
فإما أن تتراجع مكونات الأغلبية عن “نهج العرقلة”، وتستعيد روح التحالف القائم على الاحترام والتوازن، وإما أن تستمر في “ثقافة الموت السياسي” التي تُحوّل المؤسسات إلى “ساحات حرب” وتُهدر ثقة المواطنين.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد