هبة زووم – طنجة
تحولت أشغال الدورة العادية لمجلس مقاطعة بني مكادة بمدينة طنجة، المنعقدة يوم أمس الأربعاء 3 يونيو 2026، من محطة يفترض أن تناقش قضايا التنمية المحلية وانتظارات الساكنة، إلى مشهد سياسي مثير للجدل أعاد إلى الواجهة سؤال مستوى الخطاب المتداول داخل المؤسسات المنتخبة وحدود المسؤولية الأخلاقية والسياسية للمنتخبين.
فقد شهدت الدورة حالة من التوتر والفوضى عقب مداخلة لأحد أعضاء المجلس، اعتبرها عدد من الحاضرين مسيئة في حق مستشارة جماعية وتحمل عبارات لا تنسجم مع الاحترام الواجب داخل مؤسسة دستورية تمثل المواطنين، وسرعان ما تحولت الواقعة إلى محور نقاش حاد بين مختلف مكونات المجلس، قبل أن ينتهي الأمر باتخاذ قرار طرد العضو المعني من أشغال الدورة بإجماع الأعضاء الحاضرين.
هذه الواقعة، بغض النظر عن خلفياتها السياسية أو الحزبية، تطرح من جديد إشكالية الخطاب السياسي داخل المجالس المنتخبة، ومدى قدرة بعض المنتخبين على التمييز بين المعارضة السياسية المشروعة وبين الانزلاق نحو عبارات أو مواقف تمس الأشخاص أو تنتقص من كرامتهم.
فالمؤسسات المنتخبة لم تُحدث لتصفية الحسابات الشخصية أو لتبادل الاتهامات والإساءات، بل لتدبير الشأن العام ومناقشة مشاكل المواطنين واقتراح الحلول الكفيلة بتحسين أوضاعهم.
وعندما تتحول الدورات إلى فضاءات للتوتر والصراعات الجانبية، فإن الخاسر الأول هو المواطن الذي ينتظر من ممثليه الانشغال بقضاياه الحقيقية بدل الانخراط في معارك لا تقدم أي قيمة مضافة للعمل الجماعي.
وقد زاد من حجم الجدل ما أعقب الواقعة من تصريحات سياسية قوية، حيث اعتبر عدد من المتدخلين أن ما صدر لا يسيء فقط إلى مستشارة جماعية بعينها، بل يمس صورة المرأة داخل المؤسسات المنتخبة ويعيد إنتاج سلوكيات يفترض أن تكون قد اختفت من الممارسة السياسية الحديثة.
ويرى متابعون للشأن المحلي أن القضية تتجاوز حدود حادث عرضي داخل دورة عادية، لأنها تعكس أزمة أعمق ترتبط بمستوى التأطير السياسي لبعض المنتخبين وبمدى احترام القواعد الأخلاقية التي يفترض أن تؤطر النقاش العمومي داخل المجالس الترابية.
كما أن تكرار مثل هذه الأحداث يساهم في تعميق أزمة الثقة بين المواطنين والمؤسسات المنتخبة، خاصة في ظل تنامي الشعور لدى فئات واسعة من الرأي العام بأن جزءاً من النقاش السياسي المحلي أصبح بعيداً عن أولويات التنمية ومشاكل الساكنة، ومنشغلاً أكثر بالصراعات الشخصية والحسابات الحزبية الضيقة.
وفي مدينة بحجم طنجة، التي تواجه تحديات تنموية واجتماعية متزايدة، ينتظر المواطنون من المنتخبين الارتقاء بمستوى النقاش العمومي والتركيز على الملفات المرتبطة بالبنية التحتية والخدمات العمومية والنقل والتشغيل وجودة العيش، بدل تحويل الدورات إلى مناسبات للجدل الذي يسيء إلى صورة العمل السياسي برمته.
وتبقى الرسالة الأهم التي أفرزتها هذه الواقعة هي أن احترام المرأة واحترام المؤسسات يجب أن يشكلا خطاً أحمر داخل كل المجالس المنتخبة، وأن الاختلاف السياسي مهما كان حاداً لا يمكن أن يبرر أي سلوك أو خطاب ينتقص من الكرامة الإنسانية أو يسيء إلى صورة المؤسسة المنتخبة.
فالمواطن الذي يتابع ما يجري داخل المجالس لا يبحث عن مشاهد الصراع والتوتر، بل ينتظر أداءً سياسياً مسؤولاً يعكس قيم الاحترام والكفاءة والقدرة على خدمة الصالح العام، وهي معايير أصبحت اليوم أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى في ظل التحديات التي تواجه العمل الجماعي وتراجع منسوب الثقة في جزء من النخب السياسية.
تعليقات الزوار