هبة زووم – علال الصحراوي
لم تعد أزمة الماء بمراكش مجرد أعطاب تقنية عابرة أو انقطاعات يمكن تبريرها بالأشغال والإصلاحات، بل أصبحت ملفاً يمس الحياة اليومية للساكنة ويطرح أسئلة محرجة حول نجاعة التدبير، وفعالية التدخلات، وقدرة الشركة الجهوية متعددة الخدمات مراكش–آسفي على ضمان خدمة أساسية لا تقبل التأجيل أو الارتجال.
فحين يتكرر الانقطاع، ويجد المواطن نفسه في مواجهة صنبور جاف أو شكايات بشأن جودة المياه، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كانت المؤسسة المكلفة بالتدبير تنجح في احتواء الأزمة، أم أن طريقة تعاملها معها باتت تثير بدورها مزيداً من علامات الاستفهام.
فالمؤسسة التي يفترض أن تقدم الحلول مطالبة اليوم بتفسير الاختلالات، والكشف عن أسبابها، وإقناع المواطنين بأن الإصلاحات المعلنة ليست مجرد تدخلات ظرفية سرعان ما تتلاشى آثارها مع أول عطب جديد.
بلاغات الإصلاح لا تعوّض الماء في الصنابير
لقد سئمت الساكنة، في ظل تكرر الأزمات، من لغة التبرير التي تتحدث عن الأشغال والتدخلات الاستعجالية والإصلاحات التقنية، بينما يظل السؤال الأساسي معلقاً: متى يصبح التزود بالماء منتظماً، وما الضمانات التي تحول دون تكرار الانقطاعات؟
فالمواطن لا يطالب بامتياز استثنائي، ولا ينتظر معجزة تقنية؛ إنه يطالب بحقه في خدمة أساسية، وبمعلومة دقيقة حول أسباب الانقطاع ومدته، وبإشعار مسبق كلما كان ذلك ممكناً، فضلاً عن توضيحات بشأن الشكايات المتعلقة بجودة المياه، مع نشر نتائج التحاليل الرسمية كلما اقتضت الحاجة ذلك.
وإذا كانت بعض الانقطاعات قد ترتبط بأشغال أو أعطاب أو إكراهات تقنية، فإن تكرارها يفرض الانتقال من التدخل بعد وقوع المشكل إلى اعتماد سياسة استباقية تقوم على صيانة الشبكة، وتحديد مكامن الخلل، وتقييم الأشغال المنجزة، وتقديم حصيلة واضحة للرأي العام. أما الاكتفاء بتكرار عبارات من قبيل «الإصلاح» و«التدخل اللازم»، من دون نشر معطيات قابلة للتحقق، فلن يعيد الثقة إلى المواطنين.
الشركة الجهوية أمام امتحان الشفافية والمحاسبة
إن مسؤولية الشركة الجهوية متعددة الخدمات مراكش–آسفي لا تقف عند حدود معالجة الأعطاب عند وقوعها، بل تشمل أيضاً التواصل مع المرتفقين، وتوضيح أسباب الاختلالات، وتقديم معطيات عن وضعية الشبكة وبرامج الصيانة والتأهيل، ومدى نجاعة التدابير المتخذة لضمان استمرارية الخدمة.
ومن حق الرأي العام أن يعرف عدد الانقطاعات المسجلة وأسبابها، والمناطق الأكثر تضرراً، وطبيعة الأشغال المنجزة، والآجال المحددة لمعالجة الأعطاب المتكررة، كما أن الشكايات المرتبطة بجودة المياه تستدعي توضيحاً مؤسسياً يستند إلى نتائج التحاليل والمراقبة المختصة، بدل ترك المواطنين فريسة للتخمين والقلق.
فالمرفق العمومي لا يُقاس بعدد البلاغات التي يصدرها، بل بقدرته على ضمان الخدمة، وسرعة الاستجابة، وشفافية التواصل، وتصحيح الاختلالات متى ثبت وجودها، وإذا استمرت المعاناة رغم التدخلات المعلنة، فمن حق المواطنين المطالبة بتقييم موضوعي لنتائج هذه التدخلات وتحديد مكامن القصور والمسؤوليات على أساس الوقائع.
الوالي الخطيب لهبيل.. مسؤولية التنسيق والتتبع
وفي خضم هذه الوضعية، تبرز مسؤولية والي جهة مراكش–آسفي، الخطيب لهبيل، باعتباره ممثلاً للسلطة المركزية على مستوى الجهة، لا باعتباره مسؤولاً تقنياً مباشراً عن تدبير شبكة الماء، وإنما من زاوية التنسيق الإداري وتتبع القضايا التي تمس الحياة اليومية للساكنة.
فاستمرار الشكايات بشأن الانقطاعات أو جودة المياه يستدعي، متى ثبتت الوقائع، تحركاً إدارياً جاداً لتجميع المتدخلين، وطلب توضيحات دقيقة من الشركة المعنية، والاستماع إلى المنتخبين وممثلي الساكنة، مع وضع خلاصات واضحة بشأن أسباب الاختلالات والإجراءات المتخذة لمعالجتها.
ولا يتعلق الأمر بإلقاء المسؤولية على جهة واحدة قبل التحقق من المعطيات، بل بضمان ألا تضيع حقوق المواطنين بين تعدد المتدخلين وتداخل الاختصاصات. فحين يتعلق الأمر بالماء، لا يمكن أن يتحول اختلاف المسؤوليات إلى مبرر لغياب جواب واضح أو تأخر الحلول.
الماء حق يومي وليس مادة للوعود
إن أزمة الماء بمراكش تستدعي أكثر من تدبير ظرفي أو تواصل مناسباتي؛ إنها تحتاج إلى تشخيص معلن، وخطة عمل قابلة للتتبع، ومواعيد واضحة لمعالجة الاختلالات، وقنوات فعالة لتلقي الشكايات والرد عليها، إلى جانب إخبار الساكنة بنتائج المراقبة المتعلقة بجودة المياه.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن تجيب عنه الشركة الجهوية متعددة الخدمات والجهات المعنية واضحاً: ما الذي يمنع ضمان خدمة مستقرة، وما الإجراءات العملية التي ستُنهي تكرار الانقطاعات وتبدد مخاوف المواطنين؟
فالمراكشيون لا يريدون أن تتحول أزمة الماء إلى مسلسل مفتوح من التبريرات، ولا أن يصبح انتظار عودة الصبيب جزءاً عادياً من حياتهم اليومية. إنهم يريدون ماءً يصل بانتظام، ومعلومة موثوقة، ومؤسسات تتحمل مسؤولياتها وتقدم حصيلة أعمالها للرأي العام.
وعندما تصبح الخدمة الأساسية مصدر قلق يومي، فإن الاختبار الحقيقي للمؤسسات ليس في قدرتها على تبرير الأزمة، بل في قدرتها على إنهائها وإثبات ذلك بالأرقام والنتائج.
تعليقات الزوار