مكناس.. العامل الصبار في مواجهة إرث البلوكاج وتضارب مصالح المنتخبين

هبة زووم – محمد خطاري
منذ تعيينه على رأس إقليم مكناس، وجد العامل عبد الغني الصبار نفسه أمام مجال ترابي مثقل بتعدد الانتظارات وتداخل الملفات، في مقدمتها قضايا البنية التحتية، والخدمات العمومية، والاستثمار، والتدبير الإداري، فضلاً عن عدد من الملفات المحلية التي ظلت لسنوات موضوع نقاش واحتجاج ومطالب متكررة من طرف المواطنين والفاعلين المحليين.
ولم تكن تداعيات انتخابات سنة 2021 بعيدة عن هذه الإكراهات، بعدما أفرزت خريطة انتخابية بدت، في بدايتها، قابلة للانسجام بالنظر إلى التحالف الثلاثي للأحزاب المشكلة للحكومة، قبل أن تكشف الممارسة عن خلافات وتقاطعات في المصالح انعكست بشكل واضح على تدبير عدد من المؤسسات المنتخبة، وفي مقدمتها جماعة مكناس، التي دخلت في مرحلة من التعثر والبلوكاج أثرت على السير العادي لعدد من الملفات والمشاريع.
وفي خضم هذا الوضع، برز دور الإدارة الترابية في محاولة إعادة تحريك عجلة التدبير المحلي، حيث ارتبط اسم العامل عبد الغني الصبار، خلال الفترة الأخيرة، بحضور ميداني لافت وتتبع مباشر لعدد من الأوراش والملفات التي تهم المدينة والإقليم.
الحضور الميداني عنواناً للتدبير
ومنذ استقراره بمكناس، أخذ الحضور الميداني حيزاً مهماً ضمن أسلوب اشتغال السلطة الإقليمية، من خلال الزيارات الميدانية وتتبع سير عدد من المشاريع والوقوف على الإشكالات التي تعترض تنفيذها، فضلاً عن مواكبة ملفات مرتبطة بالمرافق والخدمات العمومية.
ويرى متابعون للشأن المحلي أن هذا الأسلوب ساهم في جعل الإدارة الترابية أكثر قرباً من تفاصيل عدد من الملفات، بعدما انتقلت بعض القضايا من مستوى التقارير والمراسلات إلى المعاينة المباشرة والوقوف على مكامن الخلل، وهي مقاربة تجعل المسؤول الترابي أمام مسؤولية أكبر في تتبع مآلات القرارات والإجراءات المتخذة.
غير أن تقييم هذه التجربة يظل، في نهاية المطاف، رهيناً بما ستفرزه المرحلة المقبلة من نتائج ملموسة، وبمدى انعكاس التدخلات الميدانية على جودة الخدمات وتسريع المشاريع ومعالجة الملفات العالقة.
بين المنتخبين وتضارب المصالح
ولعل أبرز التحديات التي واجهت تدبير الشأن المحلي بمكناس خلال السنوات الأخيرة، تلك المرتبطة بتعدد الفاعلين وتباين الحسابات والرهانات داخل المؤسسات المنتخبة، بما أفضى في بعض الحالات إلى تعطيل عدد من المسارات التي يفترض أن تكون موجهة أساساً لخدمة مصالح المواطنين.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الحفاظ على مسافة واحدة من مختلف المنتخبين والفاعلين السياسيين والاقتصاديين، بما يضمن احتكام القرارات الإدارية إلى القانون والمساطر المؤسساتية، بعيداً عن منطق الاصطفاف أو تأثير تضارب المصالح.
كما أن تجاوز حالات البلوكاج لا يرتبط فقط بالتدخل الإداري المباشر، وإنما يتطلب أيضاً قدرة المؤسسات المنتخبة على تجاوز خلافاتها والاضطلاع بالأدوار المنوطة بها، حتى لا تتحول التجاذبات السياسية إلى عائق أمام مصالح المواطنين أو تنفيذ المشاريع.
رهان الانسجام داخل الإدارة الترابية
وبموازاة الحضور الشخصي للعامل في عدد من الملفات، تظل فعالية الجهاز الإداري الذي يشتغل إلى جانبه عاملاً حاسماً في نجاح أي مقاربة ترابية، سواء تعلق الأمر بالكتابة العامة، أو قسم الشؤون الداخلية، أو رجال السلطة بالمجالات الحضرية والقروية.
فالنجاعة في تدبير الملفات لا تقاس فقط بمدى حضور المسؤول الأول ميدانياً، وإنما كذلك بقدرة مختلف المصالح والأجهزة التابعة للإدارة الترابية على التنسيق، وسرعة معالجة الملفات، وتتبع القرارات، وضمان استمرارية العمل الإداري بعيداً عن الارتجال أو البطء.
ومن هنا، فإن نجاح التجربة التدبيرية بمكناس يظل مرتبطاً بدرجة الانسجام داخل هذه المنظومة، وبقدرتها على تحويل التوجيهات والقرارات إلى إجراءات عملية ونتائج محسوسة.
من الحضور إلى النتائج
وتتجه الأنظار اليوم إلى عدد من الملفات ذات الأولوية داخل إقليم مكناس، وفي مقدمتها تحسين جودة الخدمات العمومية، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز جاذبية الإقليم للاستثمار، وتقليص الفوارق بين المجالين الحضري والقروي، فضلاً عن تسريع معالجة الملفات التي ظلت عالقة لمدد متفاوتة.
وفي هذا الإطار، تبدو تجربة العامل عبد الغني الصبار أمام اختبار أكثر دقة خلال المرحلة المقبلة؛ فالحضور الميداني، مهما كان لافتاً، يظل في حاجة إلى أن يترجم إلى نتائج قابلة للقياس، ومشاريع تنجز في آجالها، وخدمات تتحسن فعلياً، وملفات تجد طريقها إلى الحل.
وبذلك، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في إنهاء حالات البلوكاج أو تجاوز خلافات المنتخبين، وإنما في ترسيخ حكامة ترابية تجعل المواطن في صلب الأولويات، وتضمن استمرار عجلة التنمية بعيداً عن الحسابات الضيقة وتضارب المصالح.
فمكناس، بما تمثله من ثقل تاريخي واقتصادي ومجالي، لا تحتاج فقط إلى تدبير الأزمات، بل إلى رؤية واضحة تتجاوز منطق رد الفعل نحو صناعة الحلول، وتحول سياسة القرب من مجرد حضور ميداني إلى ممارسة مؤسساتية تنتج أثراً ملموساً على الأرض.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد