هبة زووم – طنجة
يبدو أن المشهد السياسي بمدينة طنجة مقبل على مرحلة من إعادة ترتيب الأوراق، في ظل تداعيات الاستحقاقات التشريعية الأخيرة وما أفرزته من مؤشرات بشأن موازين القوى والولاءات الحزبية.
وبين حديث متصاعد عن تراجع بعض الوجوه التي ظلت لسنوات حاضرة في تدبير الشأن المحلي، وقراءات تربط هذه التحركات بالحسابات الانتخابية المقبلة، يطفو على السطح مصطلح “الهروب الكبير”، بما يحمله من دلالات سياسية تطرح أكثر من علامة استفهام حول مستقبل المشهد الجماعي بالمدينة.
فالتحولات التي عرفتها الخريطة الانتخابية أعادت إلى الواجهة سؤال الانسجام بين الانتماء الحزبي والممارسة السياسية، خصوصاً في ظل تداول قراءات تنتقد تباين اختيارات بعض المنتخبين المحليين خلال الاستحقاقات التشريعية، رغم انتمائهم إلى أحزاب ممثلة داخل مجلس جماعة طنجة.
ويرى منتقدون أن جزءاً من هذه التحركات قد يكون مرتبطاً بحسابات انتخابية مبكرة، هدفها إعادة التموضع استعداداً للاستحقاقات الجماعية المقبلة، أكثر مما يرتبط بتقييم موضوعي للحصيلة أو بمراجعة حقيقية للأداء السياسي.
وبين من يعتبر ما يجري انسحاباً تدريجياً لوجوه استنفدت رصيدها السياسي، ومن يراه مجرد مناورة لإعادة التموضع وتغيير المواقع قبل انطلاق السباق الانتخابي المقبل، يبقى الثابت أن المرحلة تفرض التمييز بين تغيير الأسماء وتغيير أساليب التدبير.
فليس كل انسحاب نهاية لمرحلة، كما أن ظهور وجوه جديدة لا يعني بالضرورة القطيعة مع الممارسات التي راكمت الانتقادات وأضعفت ثقة المواطنين في العمل السياسي المحلي.
لقد أثبتت صناديق الاقتراع أن الناخب الطنجاوي ليس مجرد رقم في حسابات المرشحين أو ورقة في مفاوضات التحالفات، بل طرف أساسي قادر على إعادة رسم موازين القوى متى توفرت له بدائل مقنعة، غير أن الرسالة الانتخابية لا ينبغي أن تُقرأ فقط بمنطق الربح والخسارة الحزبية، بل باعتبارها دعوة إلى مراجعة طرق التمثيل والتدبير، وربط الوعود بالحصيلة، والشعارات بالنتائج الملموسة على مستوى الأحياء والخدمات والمشاريع الكبرى.
وفي خضم هذا النقاش، تبرز أيضاً مسألة تقييم أداء السلطات الترابية، وعلى رأسها والي جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، يونس التازي، باعتبارها جزءاً من النقاش العمومي حول الحكامة المحلية وتنسيق تدخلات المؤسسات.
فالمحاسبة هنا لا ينبغي أن تتحول إلى شعار موجه ضد شخص بعينه، ولا إلى تصفية حسابات سياسية، بل إلى مساءلة مؤسساتية تستند إلى معطيات واضحة: ما الذي تحقق في الملفات ذات الأولوية؟ وكيف جرى تتبع المشاريع المتعثرة؟ وما مدى نجاعة التنسيق بين السلطات والمنتخبين؟ وأين تقف مسؤولية كل جهة في معالجة الاختلالات التي تمس الحياة اليومية للساكنة؟
إن الحديث عن المحاسبة يظل ناقصاً ما لم يُربط بحصيلة قابلة للتقييم، ومؤشرات واضحة، ومعطيات رسمية تتيح للرأي العام التمييز بين المسؤوليات السياسية والإدارية، بدل الاكتفاء بالأحكام العامة أو الاتهامات غير المدعومة بالأدلة.
كما أن تقييم أداء الوالي يقتضي تحديد الملفات والقرارات المعنية، والاستماع إلى توضيحات الإدارة الترابية، حتى لا يتحول النقاش إلى مجرد عنوان مثير يفتقر إلى عناصر الإثبات.
أما مجلس جماعة طنجة، فهو بدوره مطالب بتقديم أجوبة واضحة بشأن حصيلته، ومدى وفائه بالتزاماته تجاه المواطنين، وقدرته على تدبير الملفات الحضرية بعيداً عن الحسابات الانتخابية الضيقة.
فالمواطن لا يعنيه كثيراً من سيغادر المشهد ومن سيحجز مكانه، بقدر ما تهمه جودة الخدمات، وتحسين البنية التحتية، ومعالجة اختلالات الأحياء، والشفافية في تدبير المال العام، ووجود منتخبين قادرين على الدفاع عن مصالح الساكنة داخل المؤسسات وخارجها.
إن كانت طنجة مقبلة فعلاً على نهاية مرحلة سياسية، فإن الاختبار الحقيقي لن يكون في عدد الوجوه التي ستنسحب أو التحالفات التي ستتغير، بل في القدرة على القطع مع منطق إعادة تدوير المواقع والمسؤوليات دون تقييم جدي للحصيلة.
فـ«الهروب الكبير»، إن صح هذا الوصف، لا يكتسب معناه السياسي إلا إذا فتح الباب أمام مساءلة حقيقية، وتنافس على البرامج والكفاءة، وربط واضح بين المسؤولية والنتائج.
طنجة لا تحتاج إلى تبديل الوجوه فقط، بل إلى تغيير قواعد اللعبة السياسية: وضوح في البرامج، وشفافية في التدبير، ومحاسبة تستند إلى الوقائع، وتمثيلية محلية تجعل المواطن في صلب القرار، لا مجرد صوت يُستدعى عند صناديق الاقتراع.
تعليقات الزوار