سوق سيدي الخدير… تشيرنوبيل البيضاء
في الوقت الذي وصل فيه إلى علم المغاربة،نبأ إحداث شرطة خاصة بحماية البيئة بالبلاد، يتمنى الجميع أن لا تعمل بمبدأ : واش كاينة الريحة والاختناق؟ على غرار: واش كاين الدم؟.
.
.
وفي الوقت الذي طالعتنا فيه الإحصائيات الأخيرة لوزارة الصحة، بتسجيل أكبر نسبة إصابات بداء السل،بمنطقة الحي الحسني التابعة لعمالة جهة الدار البيضاء الكبرى، بمعدل 143 حالة لكل مئة ألف نسمة، مقارنة مع باقي عمالات العاصمة الاقتصادية،وفي الوقتالذي يجب أن تتضافر فيه جهود السلطات المحلية وبرلمانيي المنطقة وأعضاء مجلس المقاطعة وشركة النظافة، لتنظيف مقاطعة الحي الحسني من الأزبال التي قهرت ساكنة المنطقة بمجموعة من النقط السوداء، لا يزال سوق درب شادية(النموذجي) وسوق سيدي الخدير(البلدي)، يحتضنان تلوثا خطيرا جهة مكان بيع السمك وقرب محلات لبيع الدجاج الحي والمذبوح وعربات لبيع الخضر، على مرأى من أبناء الحي الذين ضاقت بهم السبل واعتاد أغلبهم على المعاناة في صمت.
غياب الجرأة السياسية
للمرور بسوق سيدي الخدير، وسط باعة السمك وبين صناديقهم وعرباتهم، يتطلب الأمر وضع قناع واق على الوجه وغلق الأنف، وارتداء الأحذية البلاستيكية المُسمَّاة بلغة الفرنسيين (لي بوط)Les Bottes ، للعبور بأقل خسارة مُمكنة، وسط ضايات ومستنقعات صغيرة نتنة متفرقة، تنتشر رائحتها لتصل بعيدا عن مصدرها لمسافة أكثر من 100 متر، خصوصا في المساء، عند جرف وجمع مخلفات أنشطة السوق التجارية، إذ تبقى ضايات نتنة دائمة “النشاط الإيكولوجي”، يُخيَّلُ إلى الناظر إليها أن المطر قد توقف عن الهطول للتو، وجدت لها مكانا بين باعة ( سمك وخضر) ينعتون بالمتجولين، رغم أنهم لا يبرحون مكانهم منذ مدة زمنية طويلة، قضاها أغلبهم ينتظر رفقة أصحاب محلات بيع الدجاج المجاورين لهم، وباقي المحلات التجارية الأخرى، ومعهم ساكنة الأحياء المجاورة، بادرة مسؤولة من طرف مستشاري ورؤساء المقاطعة وبرلماني المنطقة، للعمل على تحقيق حلم تجهيز وإصلاح زقاق وممرات سوق “درب شادية سيدي الخدير”، وتبليطها بشكل يحترم المعايير التقنية، إذ قال أحد التجار بالسوق أن الترقيع هو السائد في مثل هذه الأسواق، وأضاف أنه لا تزال السبل عصية على المسؤولين بالمقاطعة، لتنظيم وإصلاح وتنظيف هذا السوق وممراته، كي يرقى إلى تسمية سوق يستقبل ساكنة الحي الحسني، التي صوتت لمختلف الألوان السياسية، المتعاقبة على رئاسة المقاطعة، مرورا بكافة المجالس السابقة والمجلس الحالي، دون أن تجد إرادة قوية وصادقة وجرأة سياسية لاجتثاث الاختلالات بهذا السوق، وإصلاح ما يجب إصلاحه بعيدا عن الحسابات السياسوية الضيقة وتجاذب المصالح الإستراتيجية الحزبية وتغليب المصلحة الخاصة على المصلحة العامة.
سوق نموذجي غير نموذجي
بجانب سوق سيدي الخدير فضاء متسخ، به أزبال متناثرة تزكم الأنوف، يقع هذا الفضاء بالقرب من محلين للجزارة، أفاد متتبعو الشأن المحلي بالمنطقة، أن صاحبهما – طاشرون – باعهما بعد أن استلمهُما مقابل بناء أقواس إسمنتية، شيدت أمام محلات تجارية بالسوق، وهي أقواس لم تستطع التخفيف من الصورة القاتمة، التي تـَدُلُّ أن المكان الذي كان عبارة عن مستودع بلدي، (يتواجد بسوق سيدي الخدير بين محلي الجزارة المذكورين ومحل بقالة)، قد سبق قصفه بصاروخ اللامبالاة وقنابل الاستهتار، إذ كان من المقرر أن يكون هذا الفضاء، المكان الذي سيحتضن باعة السمك بصفة دائمة بعد سنة 2000، موعد الانطلاق الفعلي لتلميع صورة المغرب أمام لجنة الفيفا، من خلال مشاريع نظرية وتطبيقية لتعزيز حظوظ تنظيم المغرب لكأس العالم 2، الذي تم تنظيمه بجنوب إفريقيا، ففي تلك الفترة طفت على واجهة الأحداث – تخريجة – تجميع الباعة المتجولين، في بنايات غريبة وعجيبة سُمِّيت عنوة أسواقا نموذجية، وكان للحي الحسني أمام أعين السلطات المحلية والمنتخبين، وبمباركة ومشاركة البعض منهم، نصيب من هذه البنايات العجيبة، التي يصفها البعض متندرا بالصناديق، وهي عبارة عن مداخل قصديرية صغيرة جدا، لا يعلم مهندسو البناء ومخططو مشاريع بناء الأسواق الحقيقية محليا ودوليا، كيف؟ ولماذا؟ كان ولا يزال يتم الاقتصاد والتقشف في بناءها بشكل كاريكاتوري، قبل أن تتهالك وتتهدم لتزيد من حدة العشوائية والتلوث.
سورسا أو – السوسة
باعة السمك بسوق سيدي الخدير، رفضوا ويرفضون الدخول إلى ما يسمى سوقا نموذجيا بسوق شادية سيدي الخدير، بدعوى ضيق محلاته التجارية، التي بيعت بعد ذلك لأشخاص لم يكن أغلبهم يوما ما من زمرة الباعة، الذين كان يمارسون أنشطتهم التجارية بمحيط السوق البلدي سيدي الخدير الذي تعرف الوضعية الجبائية والكرائية به اختلالات ومشاكل مترسبة قديمة، كما أن من بين أسباب عدم التحاق باعة السمك بالفضاء الضيِّق الذي تم تخصيصه لهم، الاحتياط من استمرار استغلال الأماكن التي يغادرونها من طرف باعة آخرين، سيسدون على الداخلين إلى مشروع السوق النموذجي الفاشل، أبواب الرزق – حسب إفادة بائع سمك بعين المكان -، وأمام هذا الحال أضحى ذلك السوق النموذجي غير النموذجي علامة من علامات التلوث بالحي الحسني، متربعا وسط بنايات آهلة بالسكان، تتجمع فيه الأزبال على مختلف أشكالها وألوانها وأنواعها، في غفلة من السلطات المعنية، وهو مكان يُمكن وصفه بالثمرة المُرَّة لصفقة تمت بين شركة اسمها “سورسا” والجماعة، ويجمع تجار وسكان المنطقة أن شركة “سورسا” تركت – سوسة كناية عن سوسة الأسنان والأضراس – بالمنطقة واختفت، إذ لم يعد لصاحبها أثر داخل المقاطعة بل والمدينة برمتها، حسب إفادات بعين المكان لباعة يعلمون جيدا أن المكان المذكور، تحول لأطلال ورش قصديري سابق خاص بتشييد محلات تجارية، ضمن مشروع سوق نموذجي، لم يُكتب له بملفات المقاطعة وموائدها المستديرة، أن يرى النور في حلة تحترم بنود دفاتر التحملات، الخاصة بهذا النوع من المشاريع التنموية الاجتماعية والاقتصادية.
مرحاض يُشكِّلُ الاستثناء
غير بعيد عن الفضاء الملوث بسوق سيدي الخدير تتواجد مراحيض، تشكل الاستثناء داخل السوق، إذ أشار أحد الفاعلين الجمعويين، أن هذا المرحاض هو النقطة المضيئة بسوق درب شادية، وعلى عكس العديد من المؤسسات التعليمية العمومية والأسواق العشوائية، التي تكون مراحيضها نتنة تزكم الأنوف، وفي تناقض تام مع الفضاء المحيط، عرفت مراحيض سوق درب شادية سيدي الخدير، إصلاحا وترميما وتجهيزا، بفضل شراكة بين جمعية سوق سيدي الخدير والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وبلغت كلفة هذا المشروع 250 ألف درهم، وتبلغ مساهمة الاستفادة من خدماته من طرف التجار بالسوق 5 دراهم للأسبوع، وبالوقوف أمام مدخل هذه المراحيض يرى المستطلع جهة خاصة بالنساء وأخرى خاصة بالرجال، وتتوفر مراحيض سوق سيدي الخدير على صنابير جيدة، كما أن الأبواب يُمكن فتحها وغلقها، دون الاستعانة بأداة غريبة عن حرفة النجارة كالحبال والمسامير كما في السابق، وتبدو أرضية المراحيض في الجهتين مكسوة بالزليج، مع تواجد مكان خاص بالوضوء، ويشرف على صيانة هذه المراحيض والاعتناء بها شاب من أبناء منطقة سيدي الخدير، كان أبوه قبله مشرفا عليها في الماضي.
يقولون عن سوق سيدي الخدير
سكان حي الحسني، يتأسفون كثيرا لوضعية العديد من الأسواق التي يتم نعتها بالنموذجية، إذ أنها أصبحت علامة على استمرار الاختلال بالمنطقة، وهي بنايات قصديرية تحيل على أن هذا الحي يصنف ضمن لائحة الأحياء العشوائية، ففي استطلاع للرأي عبر فاعل جمعوي من أبناء المنطقة، عن أسفه من ما وصفه بالحال المقزز لبعض الفضاءات بالحي، مفيدا أن سوق سيدي الخدير كمثال هو علامة على الاحتقار والتقليل من شأن سكان الحي الحسني، وأفاد أن كل أعضاء مجلس المقاطعة وعائلاتهم لا يترددون على الفضاءات، التي وصفها بالمكلومة، الموجودة بالحي الذي صوَّتَ لهم سكانه، مستطردا أنهم (أي أعضاء مجلس المقاطعة على اختلاف أطيافهم) لا يتبضعون من هذا السوق، حتى يذوقوا مرارة الوضع ويرجعون لمنازلهم بأحذية ملطخة بالنتانة بـِ (الغيس والروائح الكريهة) على حد تعبيره.
وفي جوابها عن رأيها بخصوص حالة سوق درب شادية، عبرت ربة بيت من سكان المنطقة، أنها لا تصطحب معها بنتها ذات الخمس سنوات، كي لا تلطخ ملابسها وحذائها بـ “الغيس” وكي لا تـُصاب بمرض بسبب الميكروبات التي تنتشر بأرضية السوق حسب تعبيرها، وأفادت أن هذا السوق يعرف أثمنة مناسبة لشراء السمك والخضر، مضيفة أن المسؤولين لا يعيرون اهتماما لمثل هذه الأسواق بالحي، لتعلق بسخرية و”كأنهم يدفعون بالساكنة عنوة إلى إجبارية التبضع من السوق الممتاز”.
وأفاد “طالب جامعي” من أبناء المنطقة أن سوق درب شادية سيدي الخدير، هو فضاء يشهد رواجا كبيرا، كما يوفر الشغل ومورد الرزق للعديد من سكان المنطقة، وسكان المناطق المجاورة والمهاجرين من مختلف القرى المغربية، مضيفا أن بعض الأفارقة المهاجرين أيضا يجدون لهم مكانا داخل هذا السوق، لممارسة التجارة وكسب قوت اليوم، كما طالب بمسائلة المسؤولين بالمقاطعة والعمالة وشركة النظافة ومصالح حفظ الصحة على التقصير في واجبهم، وعدم تحمل مسؤوليتهم إزاء الوضع الكارثي لفضاء السوق المذكور، وأبرز أن هذا السوق أضحى يحتضن علامة من علامات التلوث البيئي بالمنطقة، لدرجة أنه يصح أن يحمل لقب تشيرنوبيل البيضاء.