في عهد الوالي علي خليل.. مدينة الرياضات الدولية وشباب يبحث عن فضاء يمارس فيه الرياضة والثقافة
هبة زووم – الداخلة
في الداخلة، لم يعد السؤال الذي يطرحه جزء من الشباب هو ما إذا كانت المدينة تعرف مشاريع رياضية، بل سؤال أكثر إحراجاً: هل تتحول هذه المشاريع فعلاً إلى فضاءات يومية مفتوحة أمام الشباب، أم أن جزءاً من الدينامية الرياضية يظل مرتبطاً بالتدشينات والتظاهرات الكبرى أكثر من ارتباطه بالحياة اليومية لأبناء الأحياء؟
السؤال مشروع، خصوصاً في مدينة تراهن على صورتها كوجهة رياضية وسياحية ذات إشعاع وطني ودولي، بينما يحتاج شبابها إلى فضاءات قريبة يمارسون فيها الرياضة، ويطورون مواهبهم، ويقضون أوقات فراغهم في ظروف لائقة.
صحيح أن السنوات الأخيرة شهدت إطلاق مشاريع رياضية مهمة بالداخلة. فقد تم في نونبر 2025 إعطاء انطلاقة أشغال تهيئة وبناء قريتين رياضيتين بحيي السلام والنهضة، إلى جانب تقديم مشروع قاعة مغطاة متعددة الرياضات بطاقة استيعابية تتجاوز 1689 متفرجاً.
كما سبق، في 2024، تدشين ملاعب للقرب بحي السلام، وافتتاح ملاعب أخرى وإطلاق عملية إعادة تأهيل المسبح البلدي، لكن كثرة المشاريع لا تعني بالضرورة أن الحاجة قد انتهت.
المشكلة التي ينبغي أن تُطرح اليوم ليست في عدد الملاعب التي ظهرت في الصور الرسمية، وإنما في عدد الشباب الذين يستطيعون استعمالها فعلياً، وفي شروط الاستفادة، وفي توزيعها الجغرافي، وفي صيانتها واستمرارية فتحها أمام العموم.
فالمرفق الرياضي لا يؤدي وظيفته بمجرد بنائه، المرفق الناجح هو الذي يجد فيه الطفل والشاب مكاناً آمناً ومنظماً لممارسة الرياضة، والذي تتوفر له التجهيزات الأساسية، وتتم صيانته بانتظام، ويكون الوصول إليه ممكناً دون تعقيدات أو كلفة تحول دون الاستفادة منه، وهنا تحديداً ينبغي أن تنتقل الداخلة من منطق كم أنجزنا؟ إلى منطق ماذا استفاد الشباب؟
الداخلة استطاعت خلال السنوات الأخيرة أن تفرض نفسها على خريطة التظاهرات الرياضية، واستضافت مسابقات ذات بعد دولي، من بينها Dakhla Downwind Challenge، الذي عرف في 2026 مشاركة دولية وحضوراً شبابياً وإعلامياً.
كما صادق مجلس جهة الداخلة-وادي الذهب في يوليوز 2026 على اتفاقيات مرتبطة بدعم عدد من الأنشطة الرياضية والتظاهرات، من بينها مساهمة مالية قدرها مليون درهم لدعم مسابقات وطنية ودولية في الصيد السياحي والرياضي، و700 ألف درهم للمساهمة في تنظيم بطولة عالمية للكايت سورف.
كل ذلك مهم لجاذبية المدينة، لكن السؤال الذي يجب ألا يضيع وسط بريق التظاهرات هو: ماذا عن الرياضة اليومية لشباب الداخلة؟ فليس كل شاب قادراً على ممارسة رياضة مرتبطة بتظاهرة دولية، وليس كل موهبة تحتاج إلى مهرجان كبير حتى تظهر، المواهب الحقيقية تبدأ غالباً من الحي، من ملعب القرب، من قاعة صغيرة، ومن جمعية محلية تشتغل بإمكانات محدودة.
الرهان لا ينبغي أن يحصر في كرة القدم والملاعب، فالمدينة تحتاج إلى فضاءات ثقافية مفتوحة أمام الشباب: مكتبات، دور شباب، قاعات للموسيقى والمسرح، فضاءات للتكوين، ورشات للفنون، ومراكز تساعد الشباب على اكتساب مهارات جديدة.
والداخلة ليست خالية من هذه البنيات؛ فقد سبق لوزارة الشباب والثقافة والتواصل أن أشارت إلى وجود مشاريع وفضاءات شبابية وثقافية بالمدينة، من بينها معهد للموسيقى والكوريغرافيا، ومركز سوسيو-رياضي، ودور للشباب، لكن وجود المرفق شيء، وحيويته شيء آخر.
فالسؤال الحقيقي هو: هل تعمل هذه الفضاءات بالقدر الذي يلبي الطلب؟ وهل تصل إلى أكبر عدد ممكن من الشباب؟ وهل تتيح لهم برامج منتظمة أم تظل مرتبطة بأنشطة موسمية أو محدودة؟
ربط هذا الملف باسم والي الجهة علي خليل لا يعني تحميله مسؤولية مباشرة عن كل ملعب أو قاعة أو دار شباب، لأن هذه المشاريع تتداخل فيها اختصاصات الجماعة والجهة والقطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية والشركاء، لكن موقع الوالي يجعله أحد الفاعلين الأساسيين في التنسيق الترابي وتتبع المشاريع وجمع مختلف المتدخلين حول أولويات التنمية.
وهنا يمكن مساءلة الولاية، بشكل مشروع، عن مستوى التنسيق والتتبع: هل توجد رؤية ترابية متكاملة لفضاءات الشباب؟ هل هناك جرد للحاجيات حسب الأحياء؟ هل يتم تقييم نسبة الاستفادة من المنشآت الموجودة؟ وهل توجد آلية منتظمة للاستماع إلى الجمعيات والشباب وتحديد الأولويات؟ هذه أسئلة لا تتطلب خصومة سياسية مع الوالي، بل تتطلب حكامة قابلة للقياس.
المشكلة في بعض المشاريع التنموية ليست دائماً في غياب الاستثمار، بل في احتمال أن يصبح الاستثمار في الإسمنت أسهل من الاستثمار في البرامج والموارد البشرية والتأطير، يمكن أن نبني ملعباً جميلاً، لكن ماذا بعد؟ من سيؤطر المواهب؟ من سيكتشف الطفل الذي يمتلك موهبة رياضية؟ من سيدعم الجمعية التي تشتغل داخل الحي؟ من سيوفر للشباب برنامجاً ثقافياً منتظماً؟ ومن سيتابع حالة المنشأة بعد سنة أو سنتين من افتتاحها؟ هنا يبدأ الفرق بين إنجاز مشروع وصناعة سياسة عمومية للشباب.
الشباب يريد أن يكون فاعلاً، لا مجرد متفرج على المشاريع والتظاهرات، يريد فضاءات يمارس فيها الرياضة، ومراكز يطور فيها مهاراته، ومنابر ثقافية يعرض فيها إبداعه، وبرامج تساعده على الانتقال من الهواية إلى الاحتراف، ومن المبادرة الفردية إلى مشروع قابل للحياة.
وهذا ينسجم أيضاً مع النقاش الأوسع حول برامج دعم الشباب؛ فقد صرح والي الجهة، في مايو 2026، بأن عدداً من المشاريع المقدمة عبر «منصة الشباب» اعتُبرت غير مجدية أو غير قابلة للتطبيق، وهو ما يفتح بدوره سؤالاً حول كيفية تحسين المواكبة والتأطير حتى لا تتحول المبادرات الشبابية إلى أفكار تنتهي في الملفات بدل أن تتحول إلى مشاريع حقيقية.
الرهان الحقيقي اليوم ليس في تقديم لائحة طويلة من الملاعب والمشاريع، الرهان هو أن تصبح الداخلة مدينة يجد فيها الشاب مكاناً للرياضة، ومكاناً للثقافة، ومكاناً للتكوين، ومكاناً للمبادرة، فالمدينة التي تستثمر في شبابها لا تكتفي ببناء المنشآت، وإنما تبني معها منظومة كاملة: تجهيز، وتأطير، وصيانة، وبرمجة، ومواكبة، وتقييم.
ومن هنا، فإن السؤال الموجه إلى مختلف المتدخلين، وفي مقدمتهم الولاية والمجالس المنتخبة والقطاعات الحكومية المعنية، ليس: أين هي المشاريع؟ فالمشاريع موجودة، وبعضها كبير ومعلن.
السؤال الأكثر أهمية هو: هل يشعر شباب الداخلة بهذه المشاريع في حياتهم اليومية؟ وهل تحولت البنيات الرياضية والثقافية إلى فضاءات حقيقية مفتوحة أمامهم، أم أن المدينة ما زالت بحاجة إلى سد الفجوة بين ما يُنجز على الورق وما يحتاجه الشاب في الحي؟
لأن التنمية التي تقاس بعدد الأبنية فقط قد تنتج مدينة جميلة، أما التنمية التي تقاس بما تمنحه للشباب من فرص وفضاءات ومواهب وحياة كريمة، فهي التي تصنع مدينة لها مستقبل.