اليحياوي يفكك النقطتين 61 و65 من تقرير غوتيريش: “هاد لحريرة” تحتاج شرحاً من بوريطة

هبة زووم – الرباط
لم تمر النقاط الواردة في التقرير الأخير للأمين العام للأمم المتحدة حول قضية الصحراء مرور الكرام لدى الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي، الذي اختار هذه المرة التوقف عند عبارتين يعتبرهما كافيتين لفتح نقاش واسع حول مآلات المسار السياسي، وما الذي تعنيه بعض المفردات الواردة في الوثيقة الأممية بالنسبة إلى المغرب ومستقبل القضية الوطنية.
اليحياوي، وفي تدوينة جديدة، يقول إنه من أصل 68 نقطة تضمنها التقرير، استوقفته تحديداً النقطتان 61 و65، واضعاً ما ورد فيهما أمام الرأي العام، قبل أن يطرح سؤالاً مباشراً على الدبلوماسية المغربية: ماذا تعني هذه العبارات عملياً؟
في النقطة 61، يتوقف اليحياوي عند حديث التقرير عن ضرورة إخضاع أي مقترح لـ”عملية تشاور هادفة مع شعب الصحراء الغربية”، بما يتيح له، وفق الصياغة التي نقلها الباحث، “حرية الاختيار الطوعي في قبوله أو رفضه”، مع التشديد على عدم استمرار حرمان هذا الشعب من حقه في تقرير المصير.
أما النقطة 65، فيتوقف عند العبارة التي تتحدث عن التفاوض على “حل مقبول بشكل متبادل يكفل تقرير المصير لشعب الصحراء الغربية”، مع دعوة الطرفين إلى الامتناع عن أي خطوات من شأنها تقويض الثقة أو عرقلة العملية السياسية.
ومن هنا يبدأ السؤال الذي يطرحه اليحياوي، والذي اختصره بأسلوبه الساخر: “ماذا لو يخرج وزير الخارجية ليفسر لنا هاد لحريرة؟”، السؤال، وإن جاء في قالب ساخر، يضع الدبلوماسية المغربية أمام إشكالية تواصلية حقيقية: عندما تظهر في وثيقة أممية عبارات دقيقة وحساسة من قبيل “حرية الاختيار” و”القبول أو الرفض” و”تقرير المصير”، فإن الرأي العام من حقه أن يعرف ما الذي تعنيه هذه العبارات في سياق المسار التفاوضي الحالي.
وهنا ينبغي التمييز بين أمرين. الأول، أن ورود عبارة “تقرير المصير” في الأدبيات الأممية المتعلقة بالصحراء ليس جديداً في حد ذاته، إذ ظلت الأمم المتحدة تربط التسوية السياسية بممارسة تقرير المصير، والثاني، أن الطريقة التي تُصاغ بها هذه المبادئ داخل الإطار التفاوضي الحالي، وعلاقتها بمقترح الحكم الذاتي والضمانات والتشاور، هي التي تحتاج إلى شرح سياسي ودبلوماسي دقيق.
وهذا بالضبط ما يجعل قراءة النقطتين 61 و65 مهمة في نظر اليحياوي، فإذا كان المقصود بـ”حرية الاختيار الطوعي” جزءاً من عملية تشاور حول صيغة حل سياسي، فما طبيعة هذا التشاور؟ ومن يمثل “شعب الصحراء الغربية” في هذه العملية؟ وما هي المعايير التي ستحدد نتائجه؟ وهل يتعلق الأمر بآلية تفاوضية أم بإجراء ذي طبيعة تقريرية؟ وكيف ينسجم ذلك مع التصور المغربي للحكم الذاتي باعتباره الصيغة المطروحة لتسوية النزاع؟
ثم هناك سؤال أكثر حساسية: عندما يتحدث التقرير عن حل «يكفل تقرير المصير»، فما المقصود تحديداً بتقرير المصير في هذا السياق؟ فالمغرب يدافع عن مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها إطاراً للحل السياسي، بينما تتمسك جبهة البوليساريو منذ عقود بتصور مختلف لممارسة تقرير المصير.
وبالتالي، فإن استعمال العبارة داخل تقرير أممي لا يكفي وحده للحسم في طبيعة التسوية النهائية، لكنه بالتأكيد يبرر طرح الأسئلة حول الكيفية التي ستُترجم بها هذه المبادئ إلى ترتيبات سياسية عملية.
ومن هنا تأتي مطالبة اليحياوي بضرورة أن تتحدث الدبلوماسية المغربية بوضوح أكبر، فالقضايا الكبرى لا تُدار فقط داخل قاعات التفاوض ومكاتب الدبلوماسيين، بل تحتاج أيضاً إلى تواصل عمومي يشرح للمواطنين ما الذي يتغير في المواقف الدولية، وما الذي يبقى ثابتاً، وما هي حدود كل عبارة ترد في التقارير الأممية.
وإذا كانت الرباط تعتبر أن المسار الحالي يسير في اتجاه يخدم رؤيتها للحل، فإن من حق الرأي العام أن يعرف كيف تُقرأ عبارات من قبيل “حرية الاختيار”، و”القبول أو الرفض”، و”تقرير المصير”، وما موقع الحكم الذاتي من هذه الصياغات.
اليحياوي يختم تدوينته بعبارة ساخرة لكنها لافتة: “لأننا لم نعد نحسن لا القراءة… ولا الكتابة”، ووراء السخرية سؤال سياسي ودبلوماسي أكبر: هل المطلوب من المواطن أن يكتفي بالثقة في ما تقوله البيانات الرسمية، أم أن من حقه أن يحصل على تفسير واضح ومفصل لما تحمله الوثائق الأممية من مفاهيم وصياغات؟
وفي ملف بحجم قضية الصحراء، حيث كل كلمة قد تكون محسوبة وكل عبارة قد تحمل دلالة تفاوضية، فإن الوضوح ليس ترفاً إعلامياً، فالشارع المغربي لا يحتاج إلى ترجمة لغوية للتقرير، بقدر ما يحتاج إلى ترجمة سياسية: ماذا تعني هذه المصطلحات بالنسبة للمغرب؟ ما الذي تغير؟ وما الذي لم يتغير؟ وأين يقف مقترح الحكم الذاتي داخل هذه الهندسة الجديدة للمفاوضات؟
وإلى أن تقدم الدبلوماسية المغربية قراءة واضحة لهذه الأسئلة، ستظل عبارات من قبيل “حرية الاختيار” و”تقرير المصير” مادة خصبة للتأويل والجدل، وسيظل سؤال اليحياوي قائماً: ما المقصود فعلاً بـ”هاد لحريرة”؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد