هزائم برشلونة في المباريات الكبرى تعيد الأسئلة القديمة

هبة زووم – حسون عبدالعالي
بعد انطلاقة مثالية أوحت بأن برشلونة مقبل على موسم استثنائي، أعادت الهزيمتان أمام باريس سان جيرمان الفرنسي وريال مدريد الإسباني الفريق الكتالوني إلى دائرة الشكوك، وفتحتا من جديد النقاش حول قدرته على مجاراة كبار المنافسين، خصوصاً عندما ترتفع حدة الضغط وتصبح التفاصيل الصغيرة حاسمة في تحديد نتائج المواجهات.
ونجح فريق المدرب الألماني هانزي فليك في فرض نفسه محلياً خلال الموسمين الماضيين، بعدما توج بلقب الدوري الإسباني مرتين متتاليتين، كما قدم كرة قدم هجومية جذابة مع بداية الموسم الحالي. غير أن الصورة تغيرت عندما واجه منافسين من العيار الثقيل، لتظهر مجدداً نقاط ضعف سبق أن أثارت القلق في محطات أوروبية حاسمة.
وبعد تحقيق الفوز في مبارياته الـ11 الأولى بمختلف المسابقات، تلقى برشلونة خسارة أمام باريس سان جيرمان بنتيجة 2-4 في الجولة الثالثة من دوري أبطال أوروبا، قبل أن يسقط على أرضه أمام غريمه ريال مدريد بنتيجة 1-2، في هزيمتين متتاليتين كشفتا عن صعوبات الفريق في الحفاظ على توازنه أمام الفرق القادرة على استغلال المساحات.
لم تكن الخسارة أمام ريال مدريد مجرد تعثر في مباراة تنافسية، بل أعادت تسليط الضوء على هشاشة الخط الخلفي، خصوصاً في ظل اعتماد فليك على خط دفاع متقدم يتطلب ضغطاً جماعياً منسجماً ولياقة بدنية عالية، لتفادي منح المنافسين مساحات واسعة خلف المدافعين.
وكان برشلونة قادراً على الخروج بنتيجة التعادل والحفاظ على فارق مريح في صدارة المنافسة المحلية، لكنه ترك مساحات استغلها الفريق الملكي، قبل أن يوجه الضربة الحاسمة في الدقائق الأخيرة.
وقبل صافرة النهاية بثلاث دقائق، انطلق الفرنسي إدواردو كامافينغا نحو مرمى برشلونة، قبل أن يمرر الكرة إلى مواطنه كيليان مبابي، الذي سجل هدفه الثاني في المباراة، والهدف رقم 100 بقميص ريال مدريد، ليمنح فريقه فوزاً ثميناً في الكلاسيكو.
وعقب المباراة، أقر فليك بأهمية التفاصيل الصغيرة في حسم المواجهات الكبرى، معتبراً أنها لم تكن في صالح فريقه، ومؤكداً في الوقت ذاته أن الجهاز الفني يدرك الجوانب التي تحتاج إلى التطوير، وأن العمل عليها مستمر خلال الحصص التدريبية.
لكن هذه التفسيرات أعادت إلى الأذهان تصريحات سابقة للمدرب الألماني، خصوصاً عقب خروج برشلونة أمام إنتر ميلان من نصف نهائي دوري أبطال أوروبا في مايو 2025، حين شدد على أن الفريق ما زال شاباً ويحتاج إلى النضج، مع ضرورة تحسين الأداء الدفاعي وجوانب أخرى من اللعبة.
ومن بين أبرز الملفات التي عادت إلى الواجهة، مسألة تدعيم الخط الخلفي خلال فترة الانتقالات الصيفية. فبرشلونة، وفق المعطيات الواردة في النص، لم يتعاقد مع قلب دفاع جديد، رغم استمرار ظهور الثغرات في هذا المركز، وواصل الاعتماد على جيرارد مارتين، الذي انتقل من مركز الظهير الأيسر إلى قلب الدفاع، إلى جانب الشاب باو كوبارسي.
وقدم مارتين مستويات مقبولة في بعض الفترات بالنظر إلى تغيير مركزه، غير أن المواجهات أمام مهاجمين من الطراز العالمي كشفت صعوبة المهمة، خصوصاً عندما يجد نفسه أمام لاعبين يتمتعون بالسرعة والقدرة على استغلال أنصاف الفرص.
وخلال الكلاسيكو، أسهم تشتيت غير موفق للكرة في وصولها إلى مبابي، قبل أن تنتهي المحاولة بهدف في شباك الحارس جوان غارسيا. ومع ذلك، نجح مارتين في موقف آخر في إيقاف هجمة خطيرة لريال مدريد، كان خلالها مبابي وجود بيلينغهام في وضعية هجومية ضد مدافع واحد، وهو ما يعكس أن المشكلة لا ترتبط بأداء لاعب بعينه فقط، بل تمتد إلى آلية الدفاع الجماعي.
فمنظومة الضغط المتقدم التي يعتمدها فليك تحتاج إلى تحرك متناسق بين الخطوط، وأي تأخر في الضغط أو خلل في التغطية قد يحول المساحات خلف الدفاع إلى نقطة ضعف يستثمرها المنافسون بسرعة وفعالية.
إلى جانب المشكلات التكتيكية، أشار فليك إلى افتقاد لاعبيه الانتعاش البدني خلال مواجهة ريال مدريد، في ظل ازدحام جدول المباريات. غير أن هذا التبرير يفتح بدوره باب النقاش حول قدرة الفريق على الحفاظ على النسق نفسه خلال موسم طويل، خاصة عندما تتوالى الاستحقاقات المحلية والأوروبية.
كما يعاني برشلونة من غيابات مؤثرة في الخط الخلفي، إذ افتقد خدمات إريك غارسيا والفرنسي جول كونديه والدنماركي أندرياس كريستنسن خلال الكلاسيكو، فضلاً عن غياب لاعب الوسط داني أولمو، وهو ما قلص الخيارات المتاحة أمام الجهاز الفني وأثر في قدرته على إدارة المباراة وفق السيناريوهات المختلفة.
وتزيد هذه الغيابات من صعوبة معالجة الخلل الدفاعي، لكنها لا تلغي الحاجة إلى مراجعة التمركز والتغطية وسرعة التحول من الهجوم إلى الدفاع، وهي عناصر بدت حاسمة أمام منافسين يجيدون استغلال المساحات.
تكشف الهزيمتان أمام باريس سان جيرمان وريال مدريد أن البداية القوية لا تكفي وحدها للحكم على قدرة برشلونة على المنافسة حتى نهاية الموسم، وأن التفوق في المباريات المحلية لا يضمن بالضرورة النجاح عندما يواجه الفريق خصوماً يمتلكون أدوات هجومية قادرة على معاقبة أي خطأ.
ويجد فليك نفسه اليوم أمام تحدي تحويل الدروس المستخلصة من هذه الخسائر إلى تحسينات ملموسة، سواء عبر تطوير المنظومة الدفاعية أو إعادة ضبط الضغط الجماعي أو التعامل بمرونة أكبر مع متطلبات المباريات الكبرى.
فبرشلونة لا يفتقر إلى القدرة على صناعة الفرص وتقديم كرة قدم ممتعة، لكنه يحتاج إلى توازن أكبر بين الاندفاع الهجومي والصلابة الدفاعية، حتى لا تتحول كل مواجهة أمام منافس قوي إلى اختبار يكشف الثغرات نفسها.
وبين الثقة التي صنعتها الانطلاقة المثالية والشكوك التي أعقبت هزيمتي الأسبوع الماضي، يبقى السؤال المطروح داخل البيت الكتالوني: هل يستطيع فليك معالجة الاختلالات في الوقت المناسب، أم أن عقدة المباريات الكبرى ستظل تطارد برشلونة كلما ارتفع مستوى المنافسة؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد