الملكية، الأحزاب السياسية وأفق تحقيق المناعة الديمقراطية بالمغرب؟

الحسين بوخرطة

لا يمكن لأحد أن ينكر أو يتجاهل اليوم أن السياسة ومنطق ممارسة السلطة ببلادنا قد تغيرا كثيرا.
فبعدما تم استغلال خلق السكن في دور الصفيح (bidonvilles) والسكن غير القانوني habitat clandestin)) أو ما يسمى إجمالا بالسكن غير الصحي (habitat insalubre) لإضعاف الوجود السياسي لأحزاب المعارضة في المدن زمن الصراع السياسي العنيف، كان قرار التجريم الذي اتخذته الدولة في بداية العهد الجديد في شأن كل من يساهم في انتشار هذا النوع من السكن بمثابة إشارة سياسية لخلق القطيعة مع منطق ممارسة السلطة الذي ميز عهد رجل الداخلية القوي إدريس البصري، قطيعة فتحت المجال لعدد من أبناء الشعب المغربي للوصول مناصب المسؤولية الإدارية والسياسية وأتاحت لهم الفرصة لخدمة وطنهم.

فعلا كان لإعلان المفهوم الجديد للسلطة وقع جد إيجابي على الرأي العام الوطني وعلى نفوس المغاربة.
كما أن المجهود الكبير في التنمية والتهيئة الذي تبذله الدولة في شمال المملكة عبر ويعبر اليوم على روح وطنية كبيرة تتوخى جعل هذه المنطقة الجيواستراتيجية، التي عانت من التهميش لعقود مضت لأسباب سياسية، منطقة جذابة حضاريا واقتصاديا، ومنطقة دولية ستجعل الأوروبي لا يحس بتباين مميزات المجال ما بين تراب أوروبا عامة وتراب الشمال المغربي خاصة.
كما من شأن التقدم في التهيئة الترابية للشريط الساحلي الممتد من مضيق جبل طارق إلى الحسيمة وضمان امتدادها إلى منطقة الناظور والمنطقة الشرقية قد يشكل عاملا قد يؤثر على مصادر القرار الإسباني بخصوص مسألة استمرار احتلال المدينتين المغربيتين سبتة وامليلية.
في نفس الوقت، قد تساهم جاذبية منطقة الناظور والجهة الشرقية في تزايد الضغوط على النظام الجزائري ودفعه للبحث عن إيجاد السبل لتحسين علاقته مع جاره التاريخي وبالتالي إيجاد الأرضية السياسية لتمكين المغرب من استكمال وحدته الترابية بشكل نهائي.

هذا على مستوى علاقة المغرب بالشمال، في نفس الآن ينهج المغرب خطة إنسانية تنموية مع دول وشعوب إفريقيا.
لقد أكد عاهل البلاد مرارا انشغال الدولة المغربية بتقوية علاقتها مع إفريقيا.
لقد استحضر في خطاب 20 غشت 2016 ما عانته الشعوب الإفريقية من الاستعمار، مكررا تأكيده من جديد أن إفريقيا بالنسبة للمغرب والمغاربة أكبر من انتماء جغرافي، وأن مصلحة بلادنا من مصلحة إفريقيا.
فعكس الأطماع والممارسات الاستعمارية القديمة وأطماع الاستعمار الجديد، جدد جلالة الملك التزام الدولة المغربية، إضافة إلى تشبثها الواضح بأهمية التعاون بين الشعبين المغربي والجزائري لبناء الفضاء المغاربي، بدعم التنمية في إفريقيا وبتقوية العلاقات مع شعوبها وبالتالي خلق شروط تيسير الامتداد التنموي من الشمال إلى الجنوب.
إن الهاجس التنموي الحاضر بشكل دائم في السياسات الإستراتيجية المغربية اتجاه إفريقيا جعله لا يعتبرها هدفا بأبعاد استغلالية، بل جعل الغاية الوحيدة من تطوير علاقاته الخارجية مع دولها هي تحسين عيش شعوبها وترسيخ قيم التضامن والتعاون والعمل المشترك الجاد من أجل مناهضة مآسي الهجرة.
إن هذا النهج، الثابت اتجاه إفريقيا وشعوبها، حول المغرب من بلاد عبور إلى بلاد استقبال للمهاجرين، ومكنه من إبراز الروح التضامنية القوية للشعب المغربي مع أشقائه الأفارقة، روح معبرة بجلاء عن تشبع المغاربة من طنجة إلى لكويرة بالقيم الدينية السمحة المبنية على التضامن والكرامة وحسن الجوار وكرم الضيافة والانفتاح على الثقافات والديانات الأخرى.

والمغاربة يتتبعون باهتمام كبير كل هاته المنجزات والتراكمات والمجهودات الملموسة لرفع هاته التحديات الوطنية، ذات القيمة التاريخية، يحس بنوع من الحيرة والقلق وهو يتابع الصراعات السياسية وخطاباتها العنيفة.
بهذه الصراعات، أصبح المغرب متميزا بواجهتين متناقضتين، تميزت الأولى بجعل مفهوم “البناء” يسيرا في مجال تهيئة التراب الوطني، ومفهوم “النهج” ثابتا في مجال السعي الدائم لتحويل المغرب إلى محول للتنمية ما بين الشمال والجنوب (إفريقيا)، و تميزت الثانية بجعل نفس المفهوم عسيرا في مجال السياسة (البناء الديمقراطي).
إن هذه الازدواجية ” يسير/عسير” تشكل فعلا إشكالية تحتاج إلى تحاليل فكرية موضوعية لإبراز المسببات الحقيقية لهذا التباين (المغرب يسير بسرعتين سرعة اليسر في مجال التهيئة وسرعة العسر في بناء الديمقراطية).

لقد أثير مؤخرا مصطلح جديد تمت إضافته إلى القاموس السياسي المغربي.
إنه مصطلح “التحكم” الذي ربطه البعض بالأصولية الدينية واستغلال الدين والمؤسسات الدينية من طرف حزب العدالة والتنمية، وربطه البعض الآخر بوجود سلطة معينة لحزب الجرار على الأعيان ومؤسسات الإدارة الترابية.
.
.
.
.
.
وفي نفس الآن ازداد الجدال السياسي في شأن الازدواجية الحداثة/التقليد ارتباطا بالقوانين التنظيمية التي تم التنصيص عليها في الدستور الجديد في هذا المجال.
.
.
.
.
لقد اصطف حزب الاستقلال إلى جانب حزب المصباح ولو كان ثمن ذلك “الاستشهاد”.
.
.
وهاجمت منيب والساسي، القياديان في حزب الاشتراكي الموحد، إلياس العماري .
.
.
.
ورفضت منيب حضور اللقاء الفكري في شأن “حلم” تشكيل جبهة وطنية يسارية الذي نظمه حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.
.
.
واشتد الصراع ما بين قيادتي المصباح والجرار على المستوى الإعلامي.
.
.
وسبق لإدريس لشكر أن طالب حزب بن كيران بالقيام بالمراجعات المطلوبة على غرار حزب النهضة التونسي.
.
.
ونشرت جريدة أخبار اليوم كل المراجعات تلبية لهذه الدعوة.
.
.
وجاء في تصريحات بن كيران عبارات مستفزة ك “قضيتو بنا حاجة” و “في المغرب دولتان” وقال للرباح “شد الصف”.
.
.
.
.
على خلاف تصريحات بن كيران، وقع كل من لحسن الداودي ووزير الصحة اتفاقيات في شأن تقنين الكيف مع جهة الشمال (إلياس).
.
.
وأطل يتيم على المغاربة معتبرا استقرار المغرب مرتبطا بضرورة تمكين حزب المصباح من فترة انتدابية ثانية لاستكمال الإصلاحات.
.
.
.
.
ونشرت جريدة أنفاس الإلكترونية مقال “من يحكم المغرب بعد 7 أكتوبر صديق صديق الملك أو صديق الملوك الثلاثة”.
.
.
.
وقد سبق لإدريس لشكر أن أعلن رفضه “صناعة” تقاطب سياسي بالحزبين المتصارعين (الجرار/المصباح).
.
.
.

إن استحضار كل هذه الصراعات والخطابات يؤكد اليوم أن المغرب قد تغير وهو في مسار تصاعدي في تحقيق المزيد من التراكمات السياسية.
لقد قطعت الدولة فعلا مع منطق ربط الاستوزار والاستثمار بالانتماء العائلي كما ساد لعقود مضت.
لقد لامس المتتبعون كذلك نوع من التسابق والمنافسة في مجال استقطاب الكفاءات العلمية والفكرية والسياسية والاقتصادية ما بين حزب العدالة والتنمية وحزب الجرار، وبالتالي ملامسة تحقيق نوع من التحسن الواضح في مجال إنتاج النخب من المحلي إلى الوطني.
.
.
.
ولا زالت معضلة الديمقراطية الداخلية للأحزاب مطروحة بحدة متفاوتة ومتباينة هنا وهناك.
.
.
.
ولا زال تطبيق قانون المنافسة على مناصب المسؤولية الإدارية على المستوى الحكومي تشوبه عدة عيوب في التطبيق (تأثير الانتماء الحزبي في الاختيار بالرغم من كون المجال الإداري منفصل عن المجال السياسي في هذا المجال) .
.
.
ولا زالت إشكالية تحقيق المستوى المطلوب من الثقة ما بين المؤسسات ومنظمات المجتمع المدني والسياسي مطروحة.
.
.
.
ولا زالت البلاد في حاجة إلى التوافق البناء لقيادة التغيير والتحول في المجالات السياسية والثقافية والاقتصادية.
.
.
.

في اعتقادي، كل المؤشرات تؤكد أن المغرب لا زال في حاجة لمجهودات كبيرة لتقوية الثقة ما بين المؤسسات والوعي السياسي المجتمعي.
هذه الثقة ستتقوى كلما تقدمت الدولة في التهيئة الترابية من الشمال في اتجاه الوسط والغرب والشرق والجنوب (تقوية جاذبية التراب الوطني للسياح ولرؤوس الأموال الاستثمارية الوطنية والدولية).
.
.
.
ستتقوى أكثر عندما ستحقق البلاد مستويات مقبولة في تحديث المجالين الثقافي والاقتصادي، مستويات لا تترك أدنى هامش للنجاح لرواد الاستغلال السياسي للفقر والدين والقبيلة.
.
.
إن الحسم النهائي مع النموذج الاقتصادي للبلاد وتحقيق ارتفاعات مستمرة ودائمة في نسب النمو يشكلان مطلبان أساسيان لتمكين المواطن من المناعة الكافية ضد معضلة “شراء الأصوات بالمال الحرام”.
في الوضع الحالي، بقدر ما أعتبر إمارة المؤمنين بمثابة نعمة لا ثمن لها بالنسبة للمغرب والمغاربة واستقرارهم، بقدر ما أعتبر الالتزام بالحكمة والتبصر والصبر في السلوك السياسي للفاعلين الحزبيين بمثابة مقوم أساسي لتقوية التوافق من أجل البناء السياسي والاقتصادي، وجعل الأول في خدمة الثاني.
.
.
.
إن التفكير في ضمان إنجاح استحقاقات أكتوبر القادم لا يمكن أن يكون منفصلا في منطق البناء عن التفكير في مغرب ما بعد أكتوبر 2021.
.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد