هبة زووم ـ الصويرة
كشفت جائحة كورونا في الأحياء الشعبية عن شريحة مجتمعيّة واسعة تعيش في أتون الفقر وأخرى تصارع الحياة لتبقى وعائلات بأَسْرها تقتات على هامش المدينة، كما عرّت هذه الجائحة عن تركيبة اجتماعية شبابية تعاني من تراكمات الظلم الاجتماعي والحيف الاقتصادي.
كنت على موعد، ذات مساء سبت، مع حيّ من أكبر أحياء مدينة الصويرة الذي ينتصب على بعد كيلومترين من مركز المدينة، وبعض الأمتار فقط تفصلنا عن البحر لنجد أنفسنا في “حي الصقالة” في الشمال الغربي للمدينة، هذا الحيّ الذي يضم كثافة سكنية كبيرة وترتفع فيه عدد الأُسر مرتفعة نسبة الأفراد وترتزق اليد العاملة منها من قطاع الصيد البحري والتجارة الحرة والقطاع السياحي.
ويعتبر “حي الصقالة” حيًا حديثًا وفد السّكان إليه بداية التسعينات واتسعت رقعة البناءات على حساب أراضٍ غابوية ، وبقي لعقود خاليًا من المرافق الأساسية والبنية التحتية.
وينتصب “سوق الأحد” في مدخل الحي وهو من أكبر الأسواق الجماعية الأسبوعية في إقليم الصويرة ويستقبل الآلاف من الزوار أسبوعيًا وتنشط به التجارة الموازية على مدى الأسبوع في الأزقة والطرقات، أما غرب الحي فنجد سوق المتلاشيات.
يوم الأحد تنشط الخدمات في هذا الحي وتنتشر هنا وهناك عربات بيع الخضر والفواكه والاسماك والباعة المتجولون يجوبون الشوارع والأزقة بين التجار وتنشط النساء في ابتياع الملابس المستعملة أمام منازلهن ويوفّر السوق مورد رزق للفتيان الذين يخوضون التجارة في سنّ مبكّرة ويتمرّسون بحيلها ومداخلها بطرق شتّى.
ويذكر أحد ساكنة الحي أن الشقق هنا كانت جاهزة ومغلقة بداية التسعينات تم توزيعها بشكل عشوائي وفوضوي دون استحقاق أو تخطيط مسبق.
“حي الصقالة” عاش على وهم الساسة عقودًا وقد مثل خزانًا انتخابيًا للأحزاب السياسية، حيث التقينا الشاب حمزة (فضل عدم ذكر هويته) في أحد الأزقة وقد شدّه وجود غرباء في حيّه. حمزة، أحد الشباب الذين يفضّلون الجلوس على عتبة منزل عائلته كامل اليوم بعد أن عاد من سوق الجملة للخضر والفواكه حيث يعمل “حمالًا” في الفجر بأجرة حسب الطلب ويعود يوميًا ببعض الدراهم وكيس صغير يكفيه قوت يومين.
في تصريحه لجريدة هبة زووم أكد أن حي الصقالة لا يراه المسؤولون من ساسة وإداريين إلا في المناسبات الانتخابية، فكلما اقترب موعد انتخابي إلا وتراهم يبتسمون منتفشي الصدور يدقون الأبواب وقد قادهم بعض الوجهاء من أهل الحيّ. يعدون ويزفون الوعود بانعتاق الفقر وتوفير الشغل ويبشرون بالعدل”.
ويردف الشاب: “نحن لا نصدّق الساسة، لكننا نجاريهم في حملاتهم. تحصل بعض الفائدة للمعدومين من أهل الحيّ ولا ينتظر منهم البقية أملًا.
في كل الحملات الانتخابية السابقة ،كل البرلمانيين ورؤساء تعاقبوا على جماعة الصويرة ومجلسها الإقليمي مروا من هذا الحي وقد تعالت زغاريد النسوة خلال مرورهم، لكن هؤلاء لم يجلبوا لهذا الحيّ إلا الغبار المتناثر والبطالة المنتشرة.
بحثٌ صغير في أخبار “حي الصقالة” في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي يكشف لنا أسرار التركيبة الاجتماعية والنشاط الاقتصادي وتحركات هذا الحيّ وهموم سكانه.
وأغلب ما يتداول في الإعلام حول هذا الحي تلك التحركات الشبابية التي تتسم بـ”العنف والشغب” في تواريخ متواترة لا يمكن ربطها بالمطالب الاجتماعية والاقتصادية في معظمها، وترويج الممنوعات في ظل غياب فضاءات رياضية اوثقافية تحتضن شباب الحي.
و ينضاف التهميش الثقافي والرياضي إلى التهميش الاجتماعي بحي الصقالة إذ يعاني أغلب الأطفال من مشكلة الانقطاع الدراسي المبكر وانتشار الظواهر الإجرامية وعدم وعي الأولياء بمبدأ التوجيه، إذ نلاحظ العديد من الأطفال يمارسون المهن الحرة في الأسواق وينتصبون لمساعدة أمهاتهم اللاتي يقتتن من صناعة الخبز أو فتح محلات تجارية صغيرة من بيوتهم.