البيضاويون يعيدون التربية للمسؤولين: الرياضة في قلب مساءلة اجتماعية وسياسية عميقة

هبة زووم – إلياس الراشدي
في الوقت الذي ترتفع فيه الأصوات مطالبةً بتحقيق عدالة اجتماعية ورياضية، اختار البيضاويون — على طريقتهم — توجيه رسالة احتجاج صامتة لكنها قوية من خلال حملات مقاطعة الديربي، التي تحوّلت من رد فعل جماهيري إلى محطة لإعادة ترتيب العلاقة بين المواطن والمؤسسات الرياضية، وعلى رأسها جامعة الكرة.
هذه الرسالة المضمرة، التي ترجمتها ملاعب فارغة وشاشات تلفاز صامتة عن الهتاف، تتجاوز مجرد الغضب من قرارات تحكيمية أو نتائج رياضية، لتُعلن بوضوح أن الجماهير، وخاصة في مدينة بحجم الدار البيضاء، لم تعد مستعدة للتواطؤ مع سياسة التسويق والتسليع التي طالت الرياضة، وجعلتها أداة تجارية خاضعة لمنطق السوق، لا مجالًا للتنشئة الاجتماعية والمواطنة.
لقجع في قلب الحدث.. ومآلات “البيضة والحجرة”
من جانبه، يواصل فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، حضوره المكثف على الساحة، مستفيدًا من بريق الإنجاز الذي تحقق في مونديال قطر، حيث لا يزال يحاول استثماره لإعادة ترتيب موقعه داخل المشهد السياسي والإعلامي، بل حتى الجامعي، من خلال إرسال إشارات لفئات النخبة الأكاديمية والطلابية، في محاولة لكسب ثقتهم وإقناعهم بأنه يفهم أدوارهم المحورية في بناء الوطن.
غير أن هذه المناورات السياسية والإعلامية تواجه اختبارات صعبة على أرض الواقع. فالشارع، وتحديدًا الجمهور الرياضي، ليس بنفس الهشاشة التي يتصورها البعض. وإذا كان لقجع يراهن على صيت الإنجاز، فإن الواقع المحلي يعج بنقاط ضعف عديدة، أبرزها “اللعب بالبيضة والحجرة”، أي محاولة إرضاء جميع الأطراف في آن، دون تقديم حلول واقعية مستدامة.
أزمة تنشئة رياضية… أم فشل في التوزيع العادل للفرص؟
تتجاوز الأزمة بعدها الرياضي، لتفتح النقاش حول تحوّل الرياضة من خدمة عمومية إلى سلعة نخبوية، بعد أن تخلّت الدولة تدريجياً عن أدوارها التقليدية، تاركةً المجال مفتوحًا أمام الفئات ذات الدخل المرتفع لاحتكار الفضاءات والمرافق الرياضية.
وبات واضحًا أن الرياضة في المغرب لم تعد مجالًا للإدماج الاجتماعي بقدر ما صارت مرآة للفوارق الطبقية، بينما تقف مندوبيات الشبيبة والرياضة، والجماعات الترابية، موقف المتفرج، رغم أن القانون يُحمّلها مسؤولية التدخل والتأطير.
ويستغرب فاعلون محليون الغياب التام لأدوار هيئة المساواة وتكافؤ الفرص ومقاربة النوع، المفترض أن يكون لها دور استشاري حاسم في توجيه سياسات الجماعات المحلية، لا سيما في ما يخص توزيع منح دعم الأندية الرياضية وفق معايير اجتماعية عادلة.
من الهامش إلى النجومية.. دروس من أبناء المهاجرين
لا يمكن الحديث عن الرياضة دون التذكير بأن أغلب لاعبي المنتخب المغربي المتألقين هم أبناء أحياء هامشية، وجدوا في الرياضة مدخلًا للاندماج والنجاح، وهو ما يعزز الدعوة إلى تبني النموذج الأوروبي في دعم الرياضة القاعدية، وربطها بالتنمية المحلية والاندماج الاجتماعي.
ختامًا، يبدو أن البيضاويين لم يقاطعوا الديربي فقط، بل أطلقوا جرس إنذار: كفى من تهميش دور المواطن، كفى من تسليع الرياضة، كفى من القرارات الفوقية دون مساءلة. وهم بذلك، يعيدون، ولو بشكل رمزي، “تربية” المسؤولين على احترام صوت القاعدة، وتقدير ذكاء الجمهور الذي لم يعد ينساق وراء الشعارات الفارغة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد