58 مليون درهم معلقة.. من يحمي أموال ساكنة آسفي من نزيف التدبير المفوض؟

هبة زووم – آسفي
لم يعد ملف شركة “فكتاليا” بآسفي مجرد نقاش تقني حول تدبير مرفق النقل الحضري، بل تحول إلى عنوان صارخ لاختلالات مزمنة تضرب عمق الحكامة المحلية، بعدما فجّرت المنظمة المغربية للحقوق والحريات معطيات صادمة تتعلق بملايين الدراهم التي يُفترض أنها من حقوق جماعة آسفي، وسط صمت يثير أكثر من علامة استفهام.
الحديث اليوم ليس عن أرقام بسيطة يمكن تجاوزها أو تبريرها بهوامش التدبير، بل عن ما يفوق 58 مليون درهم كفوارق استثمارية، إضافة إلى أزيد من 10 ملايين درهم مرتبطة بمستحقات استغلال الخطوط والمداخيل العالقة، وهي أرقام ثقيلة تكفي وحدها لطرح سؤال جوهري: أين كانت أجهزة المراقبة والتتبع كل هذه السنوات؟ وكيف تُترك شركة مفوض لها تدبير مرفق حيوي تعبث بالتزاماتها دون زجر أو محاسبة؟
الأخطر في هذا الملف أن الأمر لا يتعلق فقط بجانب مالي، بل بخدمة عمومية تمس الحياة اليومية لآلاف المواطنين الذين عانوا لسنوات من اهتراء الحافلات، واختفاء خطوط، وتأخر في الخدمات، وفوضى في الاستغلال، بينما كانت الجماعة تراقب المشهد من بعيد وكأن الأمر لا يعنيها، فكيف يمكن الحديث عن “تدبير مفوض” ناجح في مدينة ظلت ساكنتها تؤدي ثمن سوء الخدمة مرتين: مرة من جيوبها، ومرة من المال العام؟
مراسلة المنظمة الحقوقية جاءت بلغة واضحة وحاسمة، مطالبة بحصر شامل للديون والمستحقات، وجرد دقيق للممتلكات والتجهيزات الموضوعة رهن إشارة الشركة، مع تفعيل الجزاءات المنصوص عليها في دفتر التحملات، خاصة بعد ثبوت التأخر في تشغيل الأسطول وعدم استغلال خطوط حيوية.
وهي مطالب تبدو بديهية في أي دولة تحترم مؤسساتها، لكنها في كثير من الأحيان تتحول في الجماعات الترابية إلى مجرد مراسلات تُدفن داخل الرفوف.
وإذا كانت التقارير قد كشفت هذه الاختلالات اليوم، فإن السؤال الأخلاقي والسياسي الأهم يبقى: من يتحمل مسؤولية هذا النزيف؟ لأن ربط المسؤولية بالمحاسبة لا يمكن أن يظل شعاراً استهلاكياً يُرفع في الخطب والبلاغات الرسمية، بينما تستمر شركات التدبير المفوض في استنزاف المال العام دون مساءلة حقيقية.
إن ما يحدث بآسفي يكشف مرة أخرى الوجه المظلم لبعض عقود التدبير المفوض، التي تحولت في عدد من المدن إلى بوابة مفتوحة للفوضى والتسيب وغياب الشفافية، في ظل ضعف التتبع الإداري وغياب الجرأة السياسية في مواجهة الشركات المفوض لها، فحين تغيب المحاسبة، تصبح دفاتر التحملات مجرد أوراق بلا قيمة، ويتحول المواطن إلى الضحية الأولى.
اليوم، لم يعد الرأي العام المحلي ينتظر بيانات التبرير أو لغة الخشب المعتادة، بل ينتظر فتحاً حقيقياً لهذا الملف، وترتيباً واضحاً للمسؤوليات، وإحالة أي اختلالات محتملة على الجهات القضائية المختصة إذا ثبت وجود شبهة تبديد أو تقصير في حماية المال العام.
فآسفي التي تستحق مرفق نقل يحترم كرامة مواطنيها، لا يمكن أن تبقى رهينة تدبير مرتبك، ولا رهينة صمت منتخبين وإداريين يفترض أنهم مؤتمنون على مصالح الساكنة، لأن حماية المال العام ليست خياراً سياسياً، بل واجب دستوري وأخلاقي، وأي تهاون فيه هو مشاركة غير مباشرة في تكريس العبث.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد