هبة زووم – محمد خطاري
في الوقت الذي تواصل فيه الحكومة الترويج لورش الحماية الاجتماعية باعتباره أحد أكبر المشاريع الاجتماعية بالمغرب، يظل واقع العاملات والعاملين الاجتماعيين داخل مؤسسات الرعاية الاجتماعية عنواناً صارخاً للتناقض بين الخطاب الرسمي وما يجري فعلياً داخل الميدان.
فهذه الفئة، التي يفترض أنها تشكل العمود الفقري لمنظومة الرعاية والتكفل بالفئات الهشة، ما تزال تعيش أوضاعاً مهنية واجتماعية توصف بالهشة، وسط ضعف الحماية القانونية، وهزالة الأجور، وغياب الاستقرار المهني.
تصريحات نعيمة بنيحيى الأخيرة، والتي أكدت فيها أن تحسين وضعية العاملين الاجتماعيين يوجد ضمن أولويات الوزارة، أعادت فتح ملف ظل لسنوات طويلة حبيس الوعود والتصريحات المناسبة.
فالمشكل اليوم لم يعد مرتبطاً فقط بغياب التكوين أو الحاجة إلى التأطير، بل أصبح يتعلق ببنية قطاع يعيش اختلالات عميقة، جعلت آلاف العاملين يشتغلون في ظروف أقرب إلى “العمل الموسمي” منها إلى مهنة اجتماعية ذات قيمة إنسانية ومؤسساتية.
ورغم حديث الوزارة عن استكمال الترسانة القانونية، وتوسيع شبكة معاهد التكوين عبر إحداث مؤسسات جديدة بمدينة أكادير وجهة العيون الساقية الحمراء، فإن السؤال الحقيقي الذي يطرحه المتتبعون يبقى أكثر عمقاً: هل يكفي فتح معاهد جديدة لحل أزمة قطاع يعاني أصلاً من هشاشة التشغيل وغياب التحفيز؟ وهل يمكن الحديث عن تجويد الخدمات الاجتماعية في وقت يشتغل فيه عدد من العاملين بعقود هشة، وأجور ضعيفة، ودون حماية مهنية حقيقية؟
واقع مؤسسات الرعاية الاجتماعية يكشف أن جزءاً كبيراً من الأزمة لا يرتبط فقط بالتكوين، بل بطريقة تدبير القطاع نفسه، حيث تحولت بعض المؤسسات إلى فضاءات للاستنزاف المهني والنفسي للعاملين، في ظل ضغط يومي مرتبط بمواكبة الأطفال في وضعية صعبة، والمسنين، وذوي الاحتياجات الخاصة، دون توفير الحد الأدنى من ظروف الاشتغال اللائقة.
الأخطر من ذلك، أن عدداً من الجمعيات المشرفة على هذه المؤسسات ما تزال تتعامل مع العامل الاجتماعي باعتباره مجرد “مستخدم” قابل للتعويض، وليس إطاراً مهنياً يؤدي وظيفة إنسانية حساسة تتطلب الاستقرار والدعم النفسي والتأهيل المستمر. وهو ما جعل القطاع يعيش نزيفاً مستمراً للكفاءات، بسبب غياب التحفيز وضعف الأفق المهني.
ورغم تأكيد الوزارة أنها تعمل على تعزيز الإطار التعاقدي وضمان احترام مقتضيات مدونة الشغل، إلا أن التجربة الميدانية تكشف أن كثيراً من العاملين ما يزالون خارج أي حماية اجتماعية فعلية، فيما تتكرر شكاوى مرتبطة بالتأخر في صرف الأجور، وغياب التعويضات، وغياب مساطر واضحة للترقية والتكوين المستمر.
إن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن في إنتاج البلاغات الرسمية أو تسويق أرقام المعاهد والشراكات، بل في امتلاك إرادة سياسية حقيقية لإعادة الاعتبار للعامل الاجتماعي، باعتباره أحد جنود الصف الأول داخل منظومة الحماية الاجتماعية. فلا يمكن الحديث عن “دولة اجتماعية” فيما من يسهرون على رعاية الفئات الهشة يعيشون هم أنفسهم أوضاعاً هشة.
إن إصلاح هذا القطاع يمر أولاً عبر القطع مع منطق التدبير المناسباتي، ووضع سياسة واضحة تضمن الاستقرار المهني، والأجر الكريم، والحماية القانونية، والتكوين الجاد، وربط المسؤولية بالمحاسبة داخل مؤسسات الرعاية الاجتماعية، لأن أي حديث عن تجويد الخدمات سيظل مجرد شعارات فارغة ما دام العامل الاجتماعي نفسه يفتقد أبسط شروط الكرامة المهنية.
تعليقات الزوار