الرقمنة تتحول إلى كابوس إداري يعطل مصالح المرشحين لنيل رخص السياقة بالمغرب

هبة زووم – محمد خطاري
مرة أخرى، تكشف أزمة جديدة أن “الرقمنة” في المغرب ما تزال في كثير من الأحيان مجرد واجهة براقة تخفي وراءها أعطاباً إدارية وتقنية عميقة، بعدما فجّر تأخر تسوية مئات طلبات اجتياز الامتحان التطبيقي لنيل رخصة السياقة حالة من الغضب والاحتقان وسط المرتفقين ومهنيي تعليم السياقة بعدد من مراكز تسجيل السيارات بالمملكة.
القضية لم تعد مجرد تأخير عابر في معالجة الملفات، بل تحولت إلى أزمة حقيقية عطلت مصالح مئات المواطنين، وأربكت مساراتهم المهنية والشخصية، بسبب اختلالات في النظام المعلوماتي الخاص بمؤسسات تعليم السياقة، وهو ما يطرح علامات استفهام محرجة حول مدى جاهزية البنيات الرقمية التي يتم الترويج لها باعتبارها عنواناً للإدارة الحديثة.
المعطيات التي كشف عنها المرصد الوطني للنقل الطرقي تعكس حجم الارتباك الذي تعيشه المنظومة، حيث تبين أن أخطاء بسيطة في إدخال البيانات، مثل أرقام البطاقة الوطنية أو أصناف الرخص أو أرقام المركبات، تحولت إلى قنابل إدارية عطلت ملفات المرشحين لأشهر، في غياب آليات ناجعة وسريعة لتصحيح هذه الأخطاء.
الأخطر من ذلك أن هذه الأعطاب لم تكن كلها نتيجة “اختراقات” أو تلاعبات متعمدة، بل في كثير من الحالات مجرد أخطاء بشرية عادية كان يفترض أن تجد طريقها إلى التصحيح بسهولة داخل أي نظام معلوماتي محترف، لكن ما وقع كشف هشاشة المنظومة، وغياب المرونة الإدارية والتقنية في معالجة الأعطاب قبل أن تتحول إلى أزمة وطنية صامتة.
وفي الوقت الذي تواصل فيه الجهات الرسمية الحديث عن “الإدارة الذكية” و”التحول الرقمي”، وجد المواطن نفسه مرة أخرى أمام الواقع التقليدي نفسه: ملفات معلقة، مواعيد مؤجلة، تنقلات متكررة، وضياع للوقت والمال، وكأن الرقمنة لم تضف سوى شاشة إلكترونية فوق نفس البيروقراطية القديمة.
وتزداد خطورة الوضع مع ما أثير حول إمكانية تعديل بعض المعطيات داخل النظام المعلوماتي من طرف بعض المهنيين، وهو ما يفتح الباب أمام أسئلة حساسة تتعلق بأمن المعطيات وضبط الولوجيات والمسؤوليات القانونية.
فحين يصبح التعديل ممكناً دون مراقبة صارمة أو مساطر واضحة، فإن الأمر لا يتعلق فقط بخطأ تقني، بل بثغرة قد تمس مصداقية منظومة كاملة.
إن الأزمة الحالية تضع الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية أمام مسؤولية مباشرة، ليس فقط في تسوية الملفات العالقة، بل في إعادة تقييم المنظومة الرقمية برمتها.
ولأن نجاح أي مشروع رقمي لا يقاس بعدد المنصات والتطبيقات، بل بمدى قدرته على تسهيل حياة المواطن وضمان السرعة والشفافية والنجاعة في تقديم الخدمة.
كما أن استمرار هذا الارتباك يهدد ثقة المواطنين في مسار الرقمنة نفسه، خاصة حين تتحول التكنولوجيا من وسيلة لتبسيط المساطر إلى مصدر جديد للتعقيد والتأخير. فالمواطن لا يعنيه إن كان الخلل تقنياً أو بشرياً، بقدر ما يعنيه حقه في خدمة إدارية تحترم وقته وكرامته.
اليوم، لم يعد المطلوب مجرد حلول ترقيعية أو معالجة جزئية لبعض الملفات، بل فتح ورش حقيقي لإصلاح المنظومة المعلوماتية الخاصة بقطاع تعليم السياقة، عبر إرساء آليات واضحة للتصحيح والمراقبة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وضمان تتبع رقمي شفاف يحمي حقوق المرتفقين ويمنع تكرار هذا العبث الإداري.
لأن الرقمنة التي لا تحمي حقوق المواطن، ولا تختصر معاناته مع الإدارة، تتحول ببساطة إلى نسخة إلكترونية من الفوضى التقليدية، ولكن بكلفة أكبر وإحباط أعمق.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد