طنجة وبارك باس: بين وعود الرقمنة وتحديات الواقع الميداني هل يحل التطبيق أزمة الركن أم يعمق الفجوة الرقمية؟
هبة زووم – طنجة
أعلنت جماعة طنجة، أول أمس الخميس، عن الإطلاق الرسمي للتطبيق الذكي “ParkPass GO” لرقمنة خدمات ركن العربات، في خطوة وُصفت بالثورية نحو مدينة ذكية.
لكن خلف بريق الشعارات الرقمية وبلاغات العلاقات العامة، يبرز سؤال محرج: هل يُعالج هذا التطبيق أزمة الركن الحقيقية التي يعيشها المواطنون والزوار يومياً، أم أنه مجرد واجهة تكنولوجية تُخفي استمرار فوضى التدبير واحتكار الخدمة تحت غطاء التحديث الرقمي؟
فبينما تُراهن الجماعة على تبسيط المساطر وتحسين جودة الخدمة، يظل الواقع الميداني يشهد اختناقات مرورية خانقة، ونقصاً فادحاً في أماكن الركن، وأسعاراً تُثير استياء المستعملين.
سؤال بسيط لكنه قاسٍ: كيف يُتوقع من تطبيق ذكي أن يحل مشكلة بنيوية بينما تُترك سياسة العرض دون مراجعة جذرية؟ وأي ذكاء هذا الذي يُحول حق الركن من خدمة عمومية إلى سلعة رقمية يُقصي من لا يملك هاتفاً ذكياً أو حساباً بنكياً؟
هذا، ويُتيح التطبيق، حسب البلاغ الرسمي، تحديد أماكن الركن الشاغرة في الوقت الفعلي، وأداء الرسوم إلكترونياً، وتدبير الاشتراكات عن بعد، مزايا تبدو مثالية على الورق، لكنها في الواقع الميداني تطرح إشكاليات جوهرية.
يأتي إطلاق التطبيق في إطار تنفيذ مقتضيات عقد التدبير المفوض المبرم مع شركة “صوماجيك باركينغ”، وفي هذا الإطار، يُجمع مهنيون على أهمية تحقيق توازن بين السرية التجارية المشروعة للشركات المفوض إليها، وحق المواطن في المعلومة حول شروط تدبير مرفق عمومي حيوي.
وتطرح تجربة التفويض إشكاليات تتعلق بآليات مراقبة الأداء، ومراجعة الأسعار، وضمان المنافسة الشريفة في قطاع حساس يمس الحياة اليومية للمواطنين، ورغم أن عقود التفويض تخضع عادةً لبنود تحدد التزامات الأطراف، يبقى نشر ملخص عام لبنود العقد خطوة تعزز الثقة بين المتعاقدين والمرتفقين.
كما يُوفر التطبيق وسائل أداء متعددة، بما في ذلك إمكانية الدفع نقداً عبر شبكات القرب المعتمدة، ومع ذلك، يظل الهاجس قائماً لدى بعض الفئات من أن التوجه نحو الرقمنة قد يتحول تدريجياً إلى إكراه غير مباشر يحد من خيارات الدفع التقليدي.
وفي هذا الصدد، تؤكد خبراء في الشمول الرقمي على ضرورة اعتماد فترات انتقالية واضحة تحافظ على خيارات الدفع التقليدية، مع مرافقة الفئات غير المستعدة رقمياً ببرامج تكوينية ودعم تقني مجاني، ضماناً لعدم تحول التحديث إلى أداة إقصاء.
يدعو بلاغ الجماعة المواطنين والزوار إلى تحميل التطبيق والاستفادة من خدماته، لكن نجاح أي مبادرة رقمية لا يعتمد فقط على جودة التطبيق التقني، بل أيضاً على توفر شروط النجاح الميدانية: بنية تحتية رقمية شاملة، تحسيس ميداني بالمزايا والاستخدام، وآليات تقييم مستمر لأداء الخدمة.
وتُجمع جمعيات المجتمع المدني المهتمة بالشأن الحضري على أن المدينة الذكية لا تُبنى بالتطبيقات فقط، بل بنموذج تدبير تشاركي يضمن الولوج العادل للخدمات، ويحمي الفئات الهشة من أي إقصاء رقمي غير مقصود.
ما تعيشه طنجة اليوم مع إطلاق تطبيق “ParkPass GO” ليس مجرد حدث تقني، بل هو اختبار لنموذج “المدينة الذكية” وقدرة المسؤولين على تجاوز عقلية الشعارات لخدمة المصلحة العامة.
فالرقمنة الناجحة هي التي تضع المواطن في قلب اهتماماتها، وتضمن شمولية الخدمات، وتحافظ على الخيار الحر للمستعملين، وطالما أن التطبيق يهدف إلى تحسين جودة الحياة الحضرية، فإن نجاحه الحقيقي لن يُقاس بعدد التحميلات، بل بمدى رضاه عن الخدمة وجودتها الميدانية.
سكان طنجة والزوار ينتظرون خطوات ملموسة تُترجم وعود الرقمنة إلى واقع ملموس يسهل حياتهم، لا أن يُصبح التطبيق مجرد واجهة رقمية تُخفي استمرار التحديات البنيوية، فالمدينة الذكية ليست في التطبيقات فقط، بل في تدبير حكيم يُكرم كرامة مواطنيه بخدمات شاملة وعادلة.