هبة زووم – أحمد الفيلالي
في قلب الدار البيضاء، وتحديدًا على مستوى قيسارية سباتة التابعة لـعمالة مقاطعات ابن مسيك، لم يعد احتلال الملك العمومي مجرد ظاهرة عابرة، بل تحوّل إلى واقع يومي فاضح، يُدار أمام أعين السلطات، ويكشف عن اختلال عميق في تدبير المجال الحضري، واقع يختزل، بشكل صارخ، كيف يمكن للشارع أن يتحول إلى “سوق سوداء مفتوحة”، دون حسيب أو رقيب.
منذ ساعات الصباح الأولى إلى ما بعد منتصف الليل، يُستباح الرصيف بالكامل، فالباعة المتجولون لا يكتفون ببسط سلعهم، بل يُحكمون السيطرة على كل شبر، من مداخل العمارات إلى الممرات الضيقة، في مشهد أقرب إلى “احتلال منظم” لا يترك للمارة سوى هامش ضيق للحركة إن وُجد أصلاً، فالخضر والفواكه، السمك، الملابس، الأجهزة… كل شيء معروض، إلا القانون.
لكن الأخطر من الفوضى الظاهرة، هو ما يجري في الكواليس، فبحسب شهادات متطابقة، لم تعد هذه التجارة عفوية أو مرتبطة بالحاجة، بل أضحت جزءًا من شبكة غير معلنة، يقودها ما يُعرف محليًا بـ”المُفرِّخين”، وهم ممولون يزودون الباعة بالبضائع مقابل نسب من الأرباح، في نموذج اقتصادي موازٍ يشتغل خارج كل الضوابط القانونية، ويُكرّس اقتصادًا غير مهيكل على حساب النظام العام.
وسط هذا المشهد، يطرح اسم العامل العامل النشطي نفسه بإلحاح، ليس باعتباره فاعلًا في الحل، بل كعنوان لمرحلة تتسع فيها دائرة الفوضى، ويُطرح خلالها سؤال جوهري: من يدبّر هذا الانفلات؟ وأين تنتهي حدود التساهل لتبدأ شبهة التواطؤ؟
اللافت أن هذا “السوق العشوائي” لا يشتغل في الخفاء، بل في العلن، وأمام مرأى السلطات. الباعة يمارسون نشاطهم بثقة لافتة، وكأنهم يتمتعون بحماية غير معلنة، وعند نهاية اليوم، يغادرون المكان تاركين وراءهم أكوامًا من النفايات، في مشهد يُلخّص العبث: فوضى في النهار وقذارة في الليل.
شهادات السكان لا تخفي غضبها، والحديث لم يعد عن إزعاج عابر، بل عن انهيار لجودة العيش، وتراجع خطير في جمالية الحي، وشعور متنامٍ بأن القانون لم يعد يُطبَّق على الجميع. الأسئلة التي يطرحها المتضررون مباشرة وصادمة: من يحمي هؤلاء؟ من يستفيد من استمرار هذا الوضع؟ ولماذا تغض السلطات الطرف؟
إن ما يحدث في سباتة ليس مجرد خلل محلي، بل مرآة لنموذج تدبير قائم على التساهل المفرط، أو ربما على الانتقائية في تطبيق القانون، وفي الحالتين، النتيجة واحدة: شارع خارج السيطرة، ومواطن فاقد للثقة.
اليوم، لم تعد المطالب تقتصر على تدخل ظرفي، بل على قرار حازم يعيد الاعتبار للقانون، ويحرر الملك العمومي من قبضة الفوضى، ويضع حدًا لهذا “المزاد العلني” الذي تُعرض فيه هيبة الدولة قبل الأرصفة.
تعليقات الزوار