السعيدية: بين تصميم التهيئة المؤجل والخدمات المتعثرة من يتحمل مسؤولية الانهيار البطيء لـ”لؤلؤة الشرق”؟
هبة زووم – محمد أمين
لم تعد السعيدية، “لؤلؤة الشرق” كما يُحب أن يُلقبها المسؤولون، مجرد وجهة سياحية واعدة، بل تحولت في واقعها اليومي إلى نموذج صارخ لفشل الحكامة الترابية، حيث يتعمق التراجع في جودة الخدمات الأساسية يوماً بعد يوم، وتتبخر آمال الساكنة في عيش كريم يليق بمدينة ساحلية كانت يوماً ما محط أنظار المستثمرين والزوار.
فبينما شهدت المدينة توسعاً عمرانياً واستقطاباً سياحياً، يظل السؤال المعلق: لماذا لم يُواكب هذا الزخم أي سياسة حكامة ناجعة أو تجهيزات كافية؟ وأي حكمة تدبير هذه التي تُحوّل النمو العمراني من فرصة تنمية إلى عبء خدماتي يُنهك كرامة السكان تحت غطاء التطور الطبيعي؟
وفي هذا السياق، يُعد وضع النظافة أبرز الملفات السوداء في عهد المجلس الجماعي الحالي، حيث تحولت عدد من الأحياء إلى ما يشبه مطارح صغيرة، وسط تراكم الأزبال وضعف المراقبة الميدانية.
مشهد لا يُثير فقط استياء السكان، بل يطرح سؤالاً وجودياً مُحرجاً: إذا كانت النظافة – أبسط خدمات المدينة – تُدار بهذا الارتجال، فكيف ننتظر من المسؤولين أن يُدبروا ملفات أكثر تعقيداً كالتهيئة الحضرية والبيئة؟
واعتمدت السعيدية لعقود على رصيدها الأخضر المحدود، لكنها اليوم لا تتوفر على المساحات الكافية للاستجابة لحاجيات الساكنة من فضاءات الترفيه والاسترخاء.
وأغلب هذه المساحات موروثة منذ الحقبة الاستعمارية وتعيش حالة تدهور واضح، فيما بقي الشريط الأخضر وبرامج التشجير والمشاريع البيئية حبراً على ورق، وهو ما خلق “تصحّراً عمرانياً” واضحاً وهيمنة للإسمنت على حساب جمالية المدينة وتوازنها البيئي.
ويُعد النقل من أكثر القطاعات فشلاً في المدينة، حيث تستمر سيارات الأجرة الصغيرة في العمل بدون عداد، في خرق واضح للنصوص التنظيمية، فيما تعتمد الحافلات على أسطول مهترئ لا يستجيب لحاجيات الساكنة من حيث الجودة والراحة والتغطية الزمنية.
كما تشهد المدينة فوضى كبيرة في احتلال الملك العمومي، سواء من طرف الباعة المتجولين أو العربات غير المرخصة، وسط غياب تام للمراقبة وضعف تدخل المجلس الجماعي لفرض احترام القانون.
ورغم توسع المدينة عمرانياً، إلا أن أحياء السعيدية تعاني نقصاً حاداً في البنيات الصحية والتعليمية والأسواق والمرافق الأساسية، في ظل غياب تصميم التهيئة الذي ما يزال قيد المراجعة منذ سنوات.
هذا الفراغ التخطيطي يجعل النمو العمراني غير متوازن ويزيد من اختلالات المدينة، حيث تنمو الأحياء بشكل عشوائي دون مواكبة بالخدمات الضرورية، مما يُعمق الفجوة بين التطور العمراني وجودة الحياة.
في ظل هذه المعطيات، يطالب سكان السعيدية ومهتمون بالشأن المحلي بتدخل عاجل من السلطات المختصة لمعالجة الاختلالات المتراكمة، من خلال: اعتماد خطة استعجالية لتحسين نظافة المدينة وتقوية أسطول جمع النفايات، إطلاق برامج حقيقية للتشجير وتأهيل الفضاءات الخضراء الموروثة، تأهيل قطاع النقل الحضري عبر فرض استعمال العداد وتجديد أسطول الحافلات، مع تسريع المصادقة على تصميم التهيئة لضمان نمو عمراني متوازن ومصحوب بالمرافق الأساسية.
تُعتبر السعيدية، بجمال شواطئها وإمكانياتها السياحية، جوهرة حقيقية يمكن أن تكون قاطرة للتنمية بإقليم بركان، لكن هذا الرهان لا يتحقق إلا بحكامة رشيدة وتدبير استباقي يُضع المصلحة العامة في صلب الأولويات.
فإما أن تتحول “الوعود” إلى “أفعال ملموسة” تعيد البسمة لساكنة السعيدية، وإما أن يستمر التراجع مما يُهدد بتآكل الرصيد السياحي للمدينة ويُعمق معاناة السكان.
ويبقى الرهان الآن على قدرة المسؤولين المحليين والجهات الوصية على الاستجابة لانتظارات الساكنة، وضمان أن تكون السعيدية نموذجاً للمدينة المستدامة التي تجمع بين الجمال الطبيعي وجودة الخدمات، خدمةً لتنمية الإقليم ورفاهية مواطنيها.