هبة زووم – علال الصحراوي
في خطوة وصفها متتبعون بالجرأة المحفوفة بالمخاطر، خرج رئيس جماعة الداخلة بفيديو ترويجي لعرض حصيلة مفترضة لمكتبه المسير، في وقت تعيش فيه المدينة على وقع واقع منهار يتناقض جذرياً مع خطاب الإنجازات.
سؤال بسيط لكنه قاسٍ: إذا كانت النية – كما يُقال – أبلغ من عمل، فلماذا لا تتحول الوعود إلى أشغال ملموسة تُنقذ الداخلة من طاعون الحفر وفوضى التعمير؟ وأي حكمة تدبير هذه التي تُحوّل أميرة الصحراء من جوهرة واعدة إلى قرية سبعينات تحت غطاء الخطابات الرنانة؟
فبينما يُراهن الرئيس على فيديو ترويجي لإقناع الرأي العام بمشرفية الحصيلة، يجد المواطن نفسه أمام طرق ممزقة لا يسلم منها شارع ولا زقاق، ومركز مدينة تحول إلى سوق عشوائي للباعة المتجولين، ومشاريع خاوية على عروشها تذكر الزائر بأزمنة ولت.
سؤال يُعيد طرح إشكالية بنيوية: إذا كانت الداخلة تستحق تدبيراً استثنائياً لموقعها الاستراتيجي، فلماذا تُدار بعقلية الارتجال التي تُهدر كرامة الساكنة؟
أكثر المتفائلين في العالم ما كان ليتوقع ما آلت إليه الداخلة في عهد هذا المجلس البلدي، حيث طاعون الحفر المترامية أتى على مجمل الطرقات فلا يسلم شارع أو زقاق من سمها.
مشهد لا يُثير فقط استياء السكان، بل يطرح سؤالاً وجودياً مُحرجاً: إذا كانت الصيانة – أبسط واجبات التدبير الحضري – تُدار بهذا الارتجال، فكيف ننتظر من المسؤولين أن يُدبروا ملفات أكثر تعقيداً كالتنمية المستدامة والجذب الاستثماري؟
وفي قلب هذا الجدل، تُوجَّه أصابع الاتهام إلى كل من حرمة الله ووالي الجهة علي خليل، حيث يرى منتقدون أن التدبير الحالي لم ينجح في مواكبة التحولات التي تعرفها المدينة، ولا في الاستجابة لتطلعات الساكنة، خاصة فيما يتعلق بتنظيم المجال الحضري ومحاربة مظاهر الفوضى.
ويشير هؤلاء إلى العبث التدبيري لم يتوقف عند حدود الطرق، بل امتد ليشمل التعمير الذي زحف على الأخضر واليابس دون أن يوفر أدنى شروط الخدمات المتعارف عليها في قانون التعمير، مشهد يُحوّل النمو العمراني من فرصة تنمية إلى عبء خدماتي يُنهك كرامة السكان.
فتحويل التخطيط الحضري من أداة تنمية إلى ورشة لا تنتهي لا يُهدر فقط فرص التنمية المتوازنة، بل يُرسّخ ثقافة الارتجال المؤسسي التي تُقدم راحة التأجيل على شرف الاستباقية.
وفي ظل فشل الإدارة الترابية بالداخلة على محاربة احتلال الملك العمومي، تحول هذا الملك إلى سلع تفوت لهم في كل دورة للمجلس، بينما استخلاصه الذي يصل الملايين لا زالت خزينة الجماعة تتبرأ منه.
فتحويل الملك العمومي من واجهة للتنمية إلى سلعة تفاوض لا يُهدر فقط المال العام، بل يُعمّق شعور المواطنين بالعجز الرقاب الذي يُحوّل المسؤول من حامي للمال العام إلى حارس للامتيازات.
ويقال “إن الحر بالغمزة والعبد بالدبزة”، والغمزة هنا أن هناك فوارق بين واجهة منمقة للزائر على طول الشارع الرئيسي وخلفية تعيش سنوات الضياع، مشهد لا يُهدر فقط جمالية المدينة، بل يطرح سؤالاً وجودياً حول عدالة التدبير: لماذا تُمنح الواجهة السياحية كل الاهتمام بينما تُترك أحياء الساكنة في منطقة ظل؟
والناس اليوم يريدون فقط في هذا الظرف أن يعرفوا لماذا يصمت المجلس البلدي لما تحولت مدينة الداخلة إلى قرية أمام كل هذه الفوضى المنظمة، سؤال بسيط لكنه قاسٍ: إذا كان الصمت حكمة فلماذا لا تتحول الحكمة إلى فعل إنقاذ قبل فوات الأوان؟
لم يعد مقبولاً أن تُترك الداخلة رهينة الخطابات الترويجية وصمت الفعل، ما يحتاجه المواطنون والمهتمون بالشأن المحلي اليوم هو: إطلاق فوري لخطة صيانة استعجالية للطرق، مع جدول زمني واضح ومسؤولين محددين عن كل مرحلة، اعتماد تصميم تهيئة ملزم يضمن أن أي توسع عمراني يُرافق بخدمات أساسية قبل السكن، نشر قوائم شفافة لتفويتات الملك العمومي، مع محاسبة كل من يثبت تورطه في النهب الممنهج، مع تفعيل آلية مشاركة مواطنية تسمح للسكان بتحديد أولويات التدخل في أحيائهم.
ما تعيشه الداخلة مع ملف التدبير الترابي ليس تراجعاً ظرفياً عادياً، بل هو اختبار وجودي لمصداقية الحكامة المحلية وقدرة المسؤولين على تجاوز عقلية الفيديو الترويجي لخدمة المصلحة العامة.
فإما أن تتحول وعود الإنقاذ من كلمات في فيديو إلى إجراءات ملموسة على الأرض، مع إرادة سياسية حقيقية ومحاسبة فعلية، وإما أن تستمر ثقافة الوهم التي تُحوّل المسؤولية من تكليف لخدمة الساكنة إلى مغنم للترويج وتُهدر ثقة المغاربة في قدرة مؤسساتهم على إنقاذ أميرة الصحراء من الانهيار البطيء.
تعليقات الزوار