هبة زووم – الرشيدية
شهدت جامعة مولاي إسماعيل بمكناس جدلاً واسعاً بعد قرار مفاجئ يقضي بإغلاق التسجيل في مسلك المهندس في المعلوميات (Génie Informatique) يوم 20 شتنبر الجاري، أي بعد يومين فقط من فتحه.
القرار أثار علامات استفهام عديدة حول التوازن بين نجاح البرامج الميدانية ومتطلبات المساطر الإدارية في الجامعة المغربية.
منذ إطلاقه سنة 2021، حظي المسلك باعتراف واسع كأحد أنجح التجارب التكوينية في الجامعة المغربية، فقد انبثق في إطار التوجيهات الملكية الرامية إلى تعزيز التكوينات المهنية وربط الجامعة بسوق الشغل.
المثير أن نجاحه تحقق دون أي كلفة مالية على ميزانية الكلية، إذ اعتمد على الجهد التطوعي لأساتذة ضحوا بجزء من وقتهم الرسمي، في حين أن برامج مشابهة تستنزف موارد ضخمة.
هذا النموذج أثمر نتائج ملموسة: جميع الخريجين تمكنوا من ولوج سوق الشغل مباشرة بعد التخرج، سواء داخل كبرى الشركات العالمية أو في الإدارات العمومية.
والأكثر من ذلك، ارتقى المسلك إلى صدارة المشهد الدولي بعد أن توج طلبته بالجائزة الكبرى في مسابقة Huawei ICT Hub بشنجن الصينية سنة 2025، متفوقين على مئات الفرق من مختلف القارات.
ورغم هذا النجاح، وجد المسلك نفسه محاصراً باعتراضات من داخل شعبة المعلوميات بكلية العلوم والتقنيات بالرشيدية، بدعم من النقابة الوطنية للتعليم العالي، التي اعتبرت فتحه “خرقاً للمساطر”.
لكن الوثائق الرسمية تفند ذلك: المسلك صادق عليه مجلس التدبير في 29 أكتوبر 2024، ثم مجلس الجامعة في 31 أكتوبر من السنة نفسها، قبل أن يحال إلى الوكالة الوطنية لتقييم وضمان جودة التعليم العالي.
أي أن المسطرة القانونية كانت مكتملة، وهو ما يجعل الإشكال الحقيقي مرتبطاً بآليات تدبير القرار الجامعي أكثر من مشروعية البرنامج نفسه.
اللافت أن معارضة المسلك لم تأت من الطلبة أو من الهيئات الاستشارية، بل من رئيس الشعبة ذاته، رغم أن فتح المسلك لا يضر بمصالح الشعبة ولا يمس مواردها. ما يثير تساؤلات عن طبيعة الدوافع الحقيقية وراء هذا الإغلاق.
القضية تتجاوز إغلاق مسلك ناجح إلى ما هو أعمق: ما الرسالة التي تبعثها الجامعة للمبادرات التطويرية مستقبلاً؟ هل تتحول المساطر الإدارية إلى عائق أمام الابتكار بدل أن تكون أداة لتأطيره؟ وهل يمكن التضحية بمسلك أثبت نجاعته وطنياً ودولياً فقط لإرضاء حسابات ضيقة؟
إذا كان هذا المسلك قد وفر نموذجاً مجانياً وفعالاً للتكوين الأكاديمي والمهني، فإن التضحية به تعني عملياً وأكاديمياً خسارة تجربة يمكن أن تلهم إصلاحات أوسع.
الخطر ليس في إغلاق مسلك واحد، بل في تعزيز صورة سلبية عن الجامعة المغربية كفضاء يعيق المبادرة بدل أن يحتضنها.
المستقبل الأكاديمي المغربي يظل رهيناً بقدرة مؤسساته على جعل القوانين خادمة للابتكار لا حاجزاً أمامه، وإلا فإن النجاحات الاستثنائية ستظل دوماً مهددة بالبيروقراطية.
تعليقات الزوار