العيون: الوالي بيكرات يراكم التناقضات ويفرغ المؤسسات من مضمونها بسياسة “فرق تسد”؟

هبة زووم – علال الصحراوي
ليست العيون مدينة التناقضات بالمعنى العابر أو العرضي، بل هي مدينة تعيش على وقع ازدواجية عميقة صارت، مع مرور الوقت، أسلوب تدبير يومي، تُدار به شؤون الناس وتُضبط به موازين القوة داخل الإقليم.
ازدواجية بين خطاب رسمي مملوء بالقوانين والمؤسسات، وواقع فعلي تحكمه المرونة المفرطة، والعلاقات الشخصية، ومنطق “المعقول” و”البركة”.
في الظاهر، تبدو الدولة حاضرة بقوة: إدارات، ضرائب، وثائق رسمية، مرافق عمومية، ومؤسسات يفترض أن تؤطر حياة المواطن من المهد إلى اللحد.
لكن هذه الحضور، بدل أن يكون ضمانة للحقوق، يتحول في كثير من الأحيان إلى عبء ثقيل بسبب تعقيد المساطر، وبطء الإدارة، وضعف جودة الخدمات، ما يدفع المواطن، مكرهاً لا بطلاً، إلى البحث عن مخارج خارج الإطار الرسمي.
هنا، يبرز الاقتصاد غير الرسمي لا كخيار، بل كضرورة للبقاء، بائع متجول، سائق نقل سري، عامل بدون تأمين، حرفي بلا ترخيص.. شبكة كاملة تشتغل خارج القانون، لكنها في الواقع تسد فراغاً أحدثه عجز السياسات العمومية عن توفير بدائل حقيقية، هذا الاقتصاد، الذي يُدان نظرياً، هو في الحقيقة نتيجة مباشرة لفشل الحكامة وضعف الرؤية التنموية.
غير أن الأخطر من الاقتصاد غير المهيكل، هو اقتصاد العلاقات الذي أصبح آلية موازية لتدبير الشأن العام، ففي العيون، كما في مدن أخرى، لا تُقضى الأمور دائماً بالقانون، بل بـ”المعرفة”.
وظيفة تُمنح بتوصية، ملف إداري يُفكّ بعلاقة، ومشكل قانوني يُسوّى بتدخل “شخص نافذ”، وهنا تفقد المؤسسات معناها، ويتحول القانون إلى مجرد ديكور.
في هذا السياق، لا يمكن إعفاء الوالي عبد السلام بيكرات من المسؤولية، فبدل العمل على توحيد الرؤية، وتقوية المؤسسات، وبناء الثقة بين الإدارة والمواطن، اختار – عن قصد أو عن عجز – إدارة التناقضات، وتركها تتغذى وتتوسع، في ما يشبه تطبيقاً عملياً لسياسة “فرّق تسد”. سياسة قد تنجح مرحلياً في ضبط التوازنات، لكنها على المدى المتوسط والبعيد تُضعف الإقليم، وتُعمّق الإحساس بالغبن، وتُفرغ الدولة من هيبتها الرمزية.
ضعف الحزم، وغياب قرارات جريئة، والتساهل مع ممارسات تمييزية وغير عادلة، كلها عوامل جعلت العيون مدينة تُدار بمنطقين متناقضين: منطق رسمي لا يُقنع، ومنطق غير رسمي يُسيّر فعلياً الحياة اليومية، والنتيجة إقليم يعيش على التعايش القلق بين نظامين، دون أفق واضح للإصلاح.
إن استمرار هذا النهج لا يخدم لا الاستقرار الاجتماعي ولا التنمية، بل يراكم الإحباط ويُرسخ شعوراً عاماً بأن الدولة حاضرة شكلاً، غائبة فعلاً.
وإذا كان من درس يمكن استخلاصه اليوم، فهو أن تدبير الأقاليم الحساسة لا يكون بتفكيك المجتمع إلى شبكات ومصالح متعارضة، بل ببناء مؤسسات قوية، عادلة، وواضحة، تُعامل المواطنين على قدم المساواة.
أما سياسة “فرّق تسد”، فقد أثبتت في العيون أنها ليست حلاً، بل جزء من المشكلة، وأن كلفتها تُدفع يومياً من رصيد الثقة في الدولة ومن مستقبل الإقليم.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد