هبة زووم – الدار البيضاء
صباح عادي في مقبرة الغفران، أكبر وأهم مقبرة في العاصمة الاقتصادية. رجل يحفر قبرًا بصمت، كأن الفأس اعتادت هذا المكان أكثر من المسؤولين. سألته: “واش ما جا حتى مسؤول شاف هاد الحالة؟”، رفع رأسه وأجاب بمرارة تختصر كل شيء: “شافو حتى ناس الأحياء… بقا غير الأموات”.
جملة واحدة كانت كافية لتعرية حجم الانهيار الذي وصلت إليه مقبرة يُفترض أن تكون فضاءً للسكينة والاحترام، فإذا بها تتحول إلى شاهد صادم على فشل التدبير الجماعي، وصمت الجهات الوصية، وعجز مؤسساتي عن حماية حرمة الموتى قبل الأحياء.
مقبرة الغفران اليوم ليست مجرد فضاء مهمل، بل مرآة قاسية لمدينة عاجزة عن صيانة كرامتها الرمزية، جدران متآكلة، شواهد قبور مهدّمة، مسالك ترابية غارقة في الإهمال، قبور بلا هوية ولا حماية. مكان يُفترض أن يكون خارج منطق العبث والمساومات، أصبح مأوى للمتشردين، ومطرحًا للنفايات، وفضاءً مفتوحًا للكلاب الضالة، في مشهد صادم يجرح مشاعر الأسر ويُهين حرمة الموتى.
المأساة لا تقف عند حدود الصورة، بل تمتد إلى نتائجها العملية. فعدد متزايد من البيضاويين باتوا مجبرين على دفن موتاهم في مقبرتي الرحمة وسيدي مسعود، ليس اختيارًا، بل هروبًا من وضع كارثي لا يشرّف مدينة بحجم الدار البيضاء، ولا يعكس أدنى احترام لحق الإنسان في دفن كريم.
وسط هذا الصمت المؤسساتي، خرج حسن لقفيش، عضو مجلس مدينة الدار البيضاء، عن الخط الرمادي للمؤسسة المنتخبة، ودق ناقوس الخطر خلال الدورة الاستثنائية للمجلس المنعقدة يوم الاثنين 29 دجنبر 2025. لقفيش وصف الوضع بـ“الكارثي”، واعتبر أن ما آلت إليه مقبرة الغفران لا يليق لا بمدينة الدار البيضاء ولا بكرامة ساكنتها أحياءً وأمواتًا.
ولم يكتف عضو المجلس بالتشخيص، بل وجّه نداءً مباشرًا إلى محمد امهيدية، والي جهة الدار البيضاء–سطات، مطالبًا بتدخل فوري وعاجل لإعادة الاعتبار لمقبرة الغفران، بعد أن أثبت التدبير الجماعي عجزه الواضح عن حماية هذا المرفق الحساس.
إن ما تعيشه مقبرة الغفران اليوم ليس مجرد خلل تقني أو نقص في الميزانية، بل سقوط أخلاقي وإداري خطير. فعندما تعجز مدينة عن صيانة مقابرها، فهي تعلن، دون خطابات، فشلها في حماية أبسط رموز الكرامة الإنسانية.
مقبرة الغفران لا تحتاج إلى لجان ولا بلاغات تبريرية، بل إلى قرار حازم، وتدخل عاجل، ومحاسبة صريحة. لأن الإهمال حين يصل إلى قبور الموتى، فذلك يعني أن التدبير المحلي فقد بوصلته بالكامل.
تعليقات الزوار