الدار البيضاء: المدينة القديمة تدفع ثمن غياب الحزم واحتلال الأرصفة والضجيج والنفايات يكشف ضعف المراقبة والتدخل
هبة زووم – الدار البيضاء
تحولت زنقة إنجليز بالمدينة القديمة للدار البيضاء إلى عنوان يومي للفوضى والإهمال، بعدما اختفت الأرصفة بالكامل تقريباً تحت وطأة الاحتلال العشوائي للملك العمومي، في مشهد يكشف حجم العجز عن فرض القانون داخل أحد أكثر الأحياء حيوية وتاريخاً بالعاصمة الاقتصادية.
فالراجلون لم يعودوا يجدون مكاناً يسيرون فيه بأمان، بعدما ابتلعت الأنشطة غير المنظمة الأرصفة والممرات العمومية، وأصبح المرور يفرض عليهم مزاحمة السيارات أو الالتفاف وسط أكوام الصناديق والبضائع والنفايات.
أما سكان الحي، فقد وجدوا أنفسهم أسرى واقع يزداد سوءاً يوماً بعد آخر، حيث تبدأ معاناتهم منذ الخامسة صباحاً على وقع الضجيج الصاخب الناتج عن تفريغ وتحريك الصناديق والأنشطة التجارية، في انتهاك واضح لحقهم في الراحة والسكينة.
الأكثر إثارة للاستغراب، بحسب عدد من المتتبعين، هو ما يعتبرونه غياباً للحزم في مواجهة هذه المظاهر، مقابل سرعة كبيرة في التحرك عند ملفات أخرى.
فلو تعلق الأمر بمخالفة في مجال التعمير أو بتنفيذ قرار هدم، لكانت السلطات المحلية حاضرة منذ ساعات الصباح الأولى بكل أجهزتها وإمكاناتها، أما حين يتعلق الأمر باحتلال الأرصفة وتشويه الفضاء العام والإضرار اليومي بالساكنة، فإن التدخل يبدو بطيئاً أو غائباً بشكل يطرح أكثر من علامة استفهام.
إن استمرار هذا الوضع لا يعكس فقط خللاً في تدبير الملك العمومي، بل يبعث برسالة سلبية مفادها أن بعض أشكال المخالفات يمكن أن تتحول مع مرور الوقت إلى أمر واقع، وهو ما يقوض هيبة القانون ويضعف ثقة المواطنين في جدية المراقبة والإنفاذ.
ولا يقتصر الضرر على الجانب التنظيمي، بل يمتد إلى البعد البيئي والصحي، حيث يؤدي تراكم النفايات وبقايا الأنشطة التجارية إلى تشويه المشهد الحضري وإثقال كاهل خدمات النظافة، فضلاً عن الضوضاء المستمرة التي تؤثر على جودة الحياة داخل الحي.
وفي مدينة تسعى إلى تحسين صورتها واستقطاب الاستثمار والسياحة، تبدو مثل هذه المشاهد متناقضة مع الخطابات الرسمية حول تحديث الفضاءات الحضرية وتعزيز جودة العيش.
فتنظيم الملك العمومي ليس مجرد إجراء إداري، بل هو اختبار حقيقي لقدرة السلطات على تحقيق التوازن بين ممارسة الأنشطة الاقتصادية وحماية حقوق السكان في بيئة منظمة وآمنة.
إن المطلوب اليوم ليس حملات موسمية تنتهي بانتهاء عدسات الكاميرات، بل رؤية مستدامة تقوم على التطبيق العادل للقانون، وتحرير الأرصفة من كل أشكال الاحتلال غير المشروع، وتشديد المراقبة على المخالفين، مع توفير حلول تنظيمية تحفظ في الوقت نفسه حق التجار في العمل وحق المواطنين في استعمال الفضاء العمومي.
فالدار البيضاء لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل إلى قرارات ميدانية تعيد الاعتبار للأرصفة وللنظام ولحق السكان في العيش الكريم، لأن مدينة تفقد أرصفتها تدريجياً هي مدينة تخسر جزءاً من احترامها للقانون ومن حق مواطنيها في فضاء حضري منظم.