هبة زووم – الرباط
في تدوينة نارية وغير مسبوقة، فجّر المدير الإقليمي السابق والباحث في الشأن التربوي أحمد كيكيش قنبلة من العيار الثقيل، واضعًا إصبعه على ما وصفه بالخلل البنيوي العميق الذي يعوق أي أمل في إصلاح حقيقي ومستدام لقطاع التربية الوطنية، محذرًا من خطر صامت يتغذى من داخل الإدارة نفسها.
كيكيش، الذي راكم تجربة ميدانية وإدارية طويلة، أكد أن المشكل الحقيقي لا يكمن في شخص الوزير من حيث التواصل أو المعرفة التقنية بالقطاع، بل في فشل متراكم لكل الإصلاحات المتعاقبة التي رُفعت تحت شعار “إصلاح الإصلاح”، لكنها أُنجزت – حسب تعبيره – بنفس الأدوات ونفس الأشخاص الذين تحوّلوا اليوم إلى جوهر الأزمة نفسها.
وأوضح المتحدث أن أزمة التعليم، في بعدها الاستراتيجي، تعاني فراغًا مقلقًا في الرؤية الصادقة، بسبب هيمنة ما سماه بـ”زمرة مارقة” داخل القطاع، لا ترى في المدرسة العمومية سوى مجالًا للصفقات، والتلاعب في العقار العمومي، وتفويت المؤسسات التعليمية، والتحكم في صفقات الديداكتيك، على حساب جودة التعلمات ومستقبل الأجيال.
وأشار كيكيش إلى أن هذه الزمرة ليست معزولة أو ظرفية، بل شبكة منظمة تمتد عبر الجهات والأقاليم، لها خطاب موحد وأهداف مشتركة، وتشتغل بتنسيق محكم، وتهاجم كل من يهدد مصالحها ونفوذها، مؤكداً أنها تأسست مع البرنامج التنموي 2000–2004، وتمت هيكلتها بإحكام خلال البرنامج الاستعجالي، لتتحول إلى دولة داخل الدولة التربوية.
واعتبر المتحدث أن خطورة هذه الشبكة تكمن في كونها رهنت مستقبل أبناء المغاربة، ودَفعت بهم نحو الجهل والانحراف، والهجرة السرية، وثقافة العنف والتفاهة، في وقت يفترض فيه أن تكون المدرسة فضاء للارتقاء الاجتماعي وبناء القيم.
الأخطر في تدوينة كيكيش، هو اتهامه الصريح لأحد المسؤولين الكبار داخل الوزارة، والذي قال إنه يجمع ثلاث مواقع نفوذ حساسة في آن واحد: مفتش عام، وكاتب عام، ومسؤول عن برنامج التنظيم، ويتصرف – حسب وصفه – وكأنه الوزير الفعلي للقطاع، “يعفي ويعيّن كما يشاء، دون حسيب أو رقيب”.
واتهم كيكيش هذا المسؤول بمحاولة محو الذاكرة المؤسسية للوزارة منذ سنة 2000 إلى 2026، رغم علم الجميع، بحسبه، بما ارتُكب في حق المنظومة التربوية من “جرائم إدارية ومالية وعقارية”، تم التستر عليها أو المشاركة فيها بالصمت.
كما تحدث عن ضغوط ممنهجة مورست على عدد من المديرين العامين، ومنهم من انتقل لاحقًا إلى مناصب عليا كعمال أو أمناء عامين أو مسؤولين بوزارة المالية، إضافة إلى رؤساء أقسام، بهدف دفعهم إلى المغادرة أو التقاعد النسبي، في ما وصفه بشطط صارخ في استعمال السلطة، الغاية منه إفراغ المواقع الاستراتيجية وتثبيت “الحاشية” في مواقع القرار، كما وقع بمديريات الميزانية، والشؤون العامة، والممتلكات.
وحذّر كيكيش من أن الاستهداف الحالي يتجه نحو المديرية العامة للاستراتيجية والموارد والتعاقد، في محاولة للسيطرة الكاملة على مفاصل الوزارة وتوجهاتها الاستراتيجية، وتعطيل سيرها للتحكم في ذاكرتها وقراراتها وفق “نزوات شخصية”، على حد تعبيره.
وفي ختام تدوينته، وجّه كيكيش نداءً صريحًا إلى الأطر النزيهة داخل القطاع، داعيًا إياها إلى عدم مغادرة مناصبها، والتحلي بالصبر، ومواجهة ما وصفه بعقلية “المقيم العام”، مؤكدًا أن هذه لحظة تاريخية لا تحتمل الصمت ولا الهروب.
تعليقات الزوار