هبة زووم – الرباط
كشفت صحيفة “ليكيب” الفرنسية المتخصصة أن الناخب الوطني المغربي وليد الركراكي وقع رسمياً على فسخ عقده مع الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، في خطوة تضع نهاية لحقبة ذهبية قادت “أسود الأطلس” إلى إنجازات تاريخية، من نصف نهائي مونديال قطر 2022 إلى الوصول إلى نهائي كأس أمم إفريقيا المغرب 2025.
وجاء قرار الانفصال، حسب المصدر ذاته، بعد أسابيع من الترقب في الشارع المغربي، وبعد مفاوضات مكثفة جرت بين الطرفين عقب نهاية الكان، حيث تم التوصل إلى اتفاق “ودي” ينهي التعاقد.
لكن ما يُثير الاستغراب والنقد ليس قرار الرحيل في حد ذاته، بل الطريقة الغامضة والمُبهمة التي أُدير بها هذا الملف الحساس، وكأنه “سر من أسرار الدولة” لا يحق للمواطنين والفاعلين الرياضيين الاطلاع على تفاصيله.
مفاوضات “مكثفة”.. لكن لأي نتيجة؟
إذا كان من الطبيعي أن تشهد العلاقات بين المدرب والجامعة “فترات تقييم” بعد أي استحقاق كبير، فإن ما يُثير التساؤل هو طول فترة الترقب وغياب الشفافية في التعامل مع الرأي العام الرياضي.
فبينما كان المغاربة ينتظرون توضيحاً رسمياً حول مستقبل الركراكي، جاءت الأخبار متضاربة، بين تأكيد ومراجعة، بين نفي وإثبات، في مشهد يُضعف مصداقية التواصل المؤسسي للجامعة.
والسؤال الجوهري: لماذا لا تُعلن الجامعة موقفها بشكل واضح وفوري؟ وأي “احتراف” هذا الذي يُدار فيه مصير المنتخب الوطني بـ”تسريبات صحفية” و”تلميحات غامضة”؟
“ودّي” أم “مُجامل”؟ ماذا يخفي اتفاق الرحيل؟
وصف الاتفاق بين الركراكي والجامعة بـ”الودي” قد يكون صحيحاً من الناحية القانونية، لكنه يطرح أسئلة جوهرية من الناحية الرياضية والإعلامية: ما هي الأسباب الحقيقية وراء هذا الرحيل؟ هل هي خلافات فنية؟ ضغوط جماهيرية؟ حسابات مالية؟ أم رغبة الطرفين في “صفحة جديدة”؟ ما هي بنود الاتفاق “الودي”؟ هل يشمل تعويضاً مالياً؟ حقوقاً معنوية؟ التزامات مستقبلية؟ ولماذا لم يُعلن عن هذا الاتفاق في مؤتمر صحفي مشترك، يُكرّم فيه المدرب على إنجازاته، ويُوضح فيه مستقبل المنتخب؟
إن إدارة ملف بحجم “وداع الركراكي” بـ”صمت إداري” و”تسريبات إعلامية” لا يخدم لا سمعة الجامعة، ولا كرامة المدرب، ولا تطلعات الجماهير.
بديل الركراكي: بين “وهبي المرشَّح” و”غموض الاختيار”
تضاربت الأنباء، إلى حدود كتابة هذه السطور، حول هوية بديل وليد الركراكي، فبينما أكدت مصادر أن وهبي هو الخيار الذي تم اختياره فعلياً، عبّرت فعاليات رياضية ونقاد عن استيائهم من طريقة التعامل مع هذا التعيين، الذي يُدار وكأنه “قرار سيادي” لا يحق لأحد مناقشته.
والسؤال الاستراتيجي: كيف يمكن بناء منتخب وطني قوي على أساس “الغموض” و”القرارات المفاجئة”؟ وأي “استراتيجية رياضية” هذه التي لا تُشرك الفاعلين والخبراء والرأي العام في اختيار من سيحمل أمانة قيادة “أسود الأطلس” في مرحلة حاسمة؟
إن اختيار مدرب للمنتخب الوطني ليس “مسألة إدارية روتينية”، بل هو قرار استراتيجي يُحدد مسار الكرة المغربية لسنوات قادمة، فكيف يمكن تفويت فرصة “النقاش العمومي” حول هذا الاختيار؟
الكرة المغربية بين “إنجازات الماضي” و”تحديات المستقبل”
لا يُنكر أحد أن حقبة الركراكي كانت “استثنائية”، حيث حقق المنتخب المغربي إنجازات لم يسبق لها مثيل، من التأهل لنصف نهائي المونديال، إلى الوصول إلى نهائي كأس إفريقيا، لكن النجاحات الماضية لا تضمن المستقبل، خاصة إذا لم تُرافق برؤية استراتيجية واضحة وتدبير شفاف للمراحل الانتقالية.
فالسؤال اليوم ليس “من سيخلف الركراكي؟” فحسب، بل: ما هي الرؤية المستقبلية للمنتخب الوطني؟ كيف سيتم بناء الجيل القادم؟ ما هي استراتيجية المشاركة في الاستحقاقات الدولية؟ كيف سيتم تطوير البنية التحتية والتكوين؟
ما ننتظره: من “الغموض” إلى “الشفافية المسؤولة”
لم يعد مقبولاً أن تُدار ملفات حساسة كـ”المدرب الوطني” بـ”عقلية السرية” و”التسريبات”، ما يحتاجه المغاربة والفاعلون الرياضيون اليوم هو: إعلان رسمي وشفاف من الجامعة الملكية حول أسباب رحيل الركراكي، وبنود الاتفاق، وشكر وتقدير لإنجازاته، حوار مفتوح حول معايير اختيار المدرب الجديد، مع إشراك خبراء مستقلين وفعاليات رياضية في عملية الاختيار، تقديم رؤية استراتيجية واضحة لمستقبل المنتخب الوطني، تشمل التكوين، والبنية التحتية، والاستحقاقات القادمة، تكريم علني لوليد الركراكي على إنجازاته التاريخية، ليكون نموذجاً يُحتذى به للأجيال القادمة، مع تواصل دوري مع الرأي العام الرياضي، لتفادي الشائعات وبناء ثقة متجددة بين الجامعة والجماهير.
إما شفافية تُنقذ المسار.. وإما استمرار في “ثقافة الغموض”
ما تعيشه الكرة المغربية مع ملف وليد الركراكي ليس “حدثاً إدارياً عادياً”، بل هو اختبار لمصداقية الحكامة الرياضية وقدرة الجامعة الملكية على تجاوز “عقلية السرية” لبناء علاقة ثقة مع الجماهير والفاعلين.
فإما أن تتحرك الجامعة بشفافية لتكريم الركراكي، واختيار خلفه بمنهجية واضحة، وإعلان رؤية مستقبلية طموحة، وإما أن تستمر في “نهج الغموض” الذي يُهدر الثقة، ويُضعف المسار، ويُحوّل النجاحات إلى “ذكريات” لا “أساس” للمستقبل.
الجماهير تنتظر، واللاعبون يراقبون، والمستقبل لا يُبنى بالأسرار، فإما شفافية تُنقذ الكرة المغربية، وإما استمرار في “ثقافة التعتيم” التي تُضيع الفرص وتُهدر الإنجازات.
تعليقات الزوار