هبة زووم – خاص
لا حديث هذه الأيام على مواقع التواصل الاجتماعي في إقليم الرشيدية إلا عن ارتفاع غير مفهوم في فواتير الكهرباء، خصوصاً بعد بدأ الشركة الجهوية المتعددة الخدمات لجهة درعة-تافيلالت العمل، وهو ما أثار لغطاً واسعاً ودعوات للشركة للخروج بتوضيحات عاجلة لما يحدث، فلا يعقل أن تتضاعف الفواتير بالتزامن مع دخول الشركة حيز العمل، في توقيت يطرح أكثر من علامة استفهام حول “حكمة” هذه الزيادات و”شفافية” تدبيرها.
وفي هذا السياق، عبر مواطنون غاضبون عن استيائهم من الوضع، حيث كتب أحدهم: “من بعد مكانت كتجي كل شهر وفي كل عام 120 درهم في فاتورة الكهرباء دبا تضاعفت”، قبل أن يعلق آخر: “واش أنا لي بوحدي مضرور اللهم هذا منكر”.
هذه الشهادات العفوية تعكس واقعاً مؤلماً تعيشه الأسر بالرشيدية، حيث تحولت فاتورة الكهرباء من “التزام شهري معقول” إلى “عبء مالي خانق” دون مبرر واضح.
والسؤال الجوهري: كيف تتضاعف الفواتير فجأة؟ هل هناك خلل في العدادات؟ هل تغيرت تعريفة الاستهلاك دون إشعار مسبق؟ أم أن “الشركة الجهوية” جاءت لتبرر “زيادات مبطنة” تحت غطاء “الجهوية المتقدمة”؟ واستمرار هذا الغموض لا يُغذي فقط غضب الساكنة، بل يُرسّخ ثقافة “القرار من فوق” التي تفرض على المواطن فواتير لا يفهم حسابها، ولا يملك وسيلة لمناقشتها.
وتكتسي الأزمة بعداً مؤسسياً أكثر خطورة عندما نربطها بالشركة الجهوية المتعددة الخدمات لجهة درعة-تافيلالت، التي يُفترض أن تكون “نموذجاً للنجاعة” و”قرباً من المواطن”.
لكن الواقع يقول غير ذلك: دخول الشركة حيز العمل تزامن مع “فورة أسعار” غير مبررة، مما يطرح سؤالاً وجودياً: هل تم إعداد المواطن لهذا الانتقال؟ أم أن الشركة بدأت عملها بـ”زيادات صدمية”؟ وأين هي دراسات الجدوى التي يفترض أن تضمن “تحسين الخدمة” لا “رفع الكلفة”؟ ولماذا لا تعلن الشركة عن منهجية احتساب الفواتير لتمكين المواطن من فهم ما يدفعه؟
وتحويل “الشركة الجهوية” من “أمل في تحسين الخدمات” إلى “مصدر لقلق مالي” لا يُهدد فقط القدرة الشرائية للأسر، بل يُضعف ثقة المواطنين في نموذج الجهوية برمته.
وفي خضم هذا الغليان، يبرز اسم والي جهة درعة-تافيلالت، سعيد زنيبر، كطرف مسؤول مباشرة عن تدبير هذا الملف، فبينما يُفترض أن يتدخل الوالي كـ”حَكَم محايد” و”حامٍ للمصلحة العامة”، يبدو أن الخيار هو “المراقبة من بعيد”، في وقت يحتاج فيه المواطن إلى “صوت يسمعه” و”يد تحميه”.
هذا “الصمت الإداري” يطرح أسئلة محرجة: لماذا لا يعقد الوالي دورة استثنائية لاستدعاء مسؤولي الشركة الجهوية وطلب توضيحات عاجلة؟ وكيف يبرر المسؤول الترابي “ارتفاع الفواتير” بينما الساكنة تعاني من تداعيات الزلزال وغلاء المعيشة؟ وأين هي “آليات الحماية الاجتماعية” التي يُفترض أن تُرافق أي إصلاح في قطاع الخدمات الأساسية؟
واستمرار “الصمت” لا يُضعف فقط مصداقية الولاية، بل يُعمّق شعور المواطن بـ”العزلة أمام المؤسسات” التي يفترض أنها تخدمه.
لم تعد شكايات المواطنين مجرد “همسات على السوشيال ميديا”، بل بدأت تتحول إلى غضب مكتوم قد ينفجر في أي لحظة، فحين يشعر المواطن أنه “الوحيد المتضرر”، بينما المسؤولون “صامتون”، فإن ذلك يُنتج شعوراً عميقاً بـ”الظلم” و”اللامبالاة المؤسسية”.
والخطر الأكبر يكمن في أن تتحول هذه “الشكايات الفردية” إلى حركة احتجاجية جماعية، خاصة في ظل ظرفية اجتماعية واقتصادية صعبة تعيشها الجهة، والسؤال الاستراتيجي: هل تنتظر السلطات “انفجار الغضب” قبل التحرك؟ أم أن هناك “خطة استباقية” لاحتواء الأزمة قبل فوات الأوان؟
كما لم يعد مقبولاً اليوم أن تُترك فواتير الكهرباء في الرشيدية رهينة “زيادات غير مفهومة”، فما يحتاجه المواطنون اليوم هو توضيح رسمي وعاجل من الشركة الجهوية المتعددة الخدمات حول أسباب ارتفاع الفواتير، مع نشر منهجية الاحتساب الجديدة.
كما يتطلب الأمر تدخلاً شخصياً من والي الجهة، سعيد زنيبر، لعقد اجتماع طارئ مع مسؤولي الشركة، وإلزامهم بوضع خطط مستعجلة لمراجعة الفواتير “المشبوهة”، ولا بد أيضاً من فتح قنوات شكاية مجانية وسريعة للمواطنين المتضررين، لضمان مراجعة فورية للفواتير التي تبدو غير منطقية.
ويُنتظر اعتماد شفافية كاملة في عقود الشركة الجهوية واتفاقياتها، لتمكين الرأي العام من مراقبة نجاعة تدبيرها، بالإضافة إلى مراجعة تعريفة الخدمات لضمان توازن بين “استدامة الشركة” و”القدرة الشرائية للمواطن”، خاصة في جهة تعاني من هشاشة اجتماعية.
ما تعيشه الرشيدية مع “قضية فواتير الكهرباء” ليس “خللاً تقنياً عابراً”، بل هو اختبار لمصداقية الحكامة الجهوية وقدرة المسؤولين على تجاوز “عقلية القرار من فوق” لخدمة المصلحة العامة.
فإما أن تتحرك الشركة الجهوية والولاية بجدية لشرح الزيادات، ومراجعة الفواتير “المشبوهة”، واستعادة ثقة المواطنين، وإما أن تستمر “ثقافة الصدمة” التي تُحوّل الخدمات الأساسية من “حق للمواطن” إلى “عبء مالي” وتُهدر الثقة في نموذج الجهوية برمته.
تعليقات الزوار