سياسة الفراغ تُغرق جهة درعة-تافيلالت في جمود تنموي والناخب يبحث عن دماء جديدة لكسر كهنوت الأحزاب!

هبة زووم – الرشيدية
السياسة كما يقال لا تعرف الفراغ، وعندما يغيب الإنجاز التنموي والخطاب المقنع، يبدأ الناخبون في البحث عن بدائل. وفي جهة درعة-تافيلالت، تبدو هذه القاعدة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى، حيث تتراكم المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية السلبية خلال فترة هيمنة التجمع الوطني للأحرار على مجلس الجهة، ومقاعدي البرلمان، وأغلب الجماعات الترابية.
فبينما كانت الوعود الانتخابية تُرسم بألوان زاهية، جاء الواقع ليرسم صورة قاتمة: بنية تحتية مهترئة، فرص شغل شبه منعدمة، مشاريع مؤجلة أو “مغشوشة”، ومال عام يُهدر في صفقات مشبوهة. مشهد يطرح سؤالاً وجودياً: ماذا تحقق فعلاً على مستوى التنمية؟ وأين هي المشاريع الكبرى التي كانت الساكنة تنتظرها؟
حصيلة الجمود: بنية تحتية منهكة وشباب يبحث عن أمل
الرأي العام الجهوي، في اللقاءات العمومية وعلى منصات التواصل الاجتماعي، بات يُعبر بصوت مرتفع عن شعوره بأن الأداء التنموي لم يكن في مستوى الانتظارات.
فعدد من الجماعات ما زال يعاني من نفس الإكراهات القديمة: طرق محطمة، ماء وكهرباء متقطعان، مدارس ومستوصفات في حالة مزرية، وشباب يهاجر بحثاً عن فرصة لا يجدها في أرضه.
هذا الواقع المر يطرح إشكاليات جوهرية: أين هي المشاريع المهيكلة التي كان يفترض أن تحرك عجلة الاقتصاد الجهوي وتخلق فرص شغل مستدامة؟ ولماذا تستمر الصفقات المشبوهة والمشاريع المغشوشة في استنزاف المال العام دون محاسبة؟ وكيف يمكن للناخب أن يثق في نخب فشلت في تدبير بسيط بينما تُطلب منه الثقة لقيادة مستقبل الجهة؟
فتحويل التنمية من مشروع ملموس إلى شعار انتخابي لا يُهدر فقط ثقة الناخبين، بل يُرسّخ ثقافة الوعود الفارغة التي لطالما عانت منها الديمقراطيات الناشئة.
كهنوت الأحزاب: حين تتحول القيادة إلى احتكار
في مثل هذه الظروف، يميل المزاج الانتخابي عادة إلى البحث عن بدائل وإعادة تنظيم المشهد السياسي، وذلك بالبحث عن قيادة جديدة تضخ دماء شابة خلاقة وتحمل تصورات وبرامج فعالة.
وبات مؤكداً أن الأحزاب التي قادت جهة درعة-تافيلالت في الانتخابات السابقة قد أوصلتها إلى الحائط، وتأكد الجميع أن النخب التي تزكيها تلك الأحزاب للقيادة فاشلة، وفقدت مصداقيتها ونزاهتها، ولم يعد الناخب يثق في قدرتها على قيادة المجال السياسي بالجهة.
هذا الرفض الشعبي يطرح أسئلة محرجة: لماذا تستمر نخب الفشل في احتكار التزكيات بينما يرفضها الشارع السياسي؟ وأين هي ديمقراطية التجديد التي تتيح للكفاءات الجديدة فرصة المنافسة؟ وكيف يمكن كسر طوق الكهنوت الحزبي الذي جثم على صدر تدبير الشأن الجهوي؟
إن تحويل التمثيل السياسي من أمانة خدمة إلى “غنيمة احتكارية” لا يُهدد فقط مصداقية العمل الحزبي، بل يُعمّق شعور المواطنين باللامبالاة النخبوية التي تُحوّل الأحزاب من أداة تغيير إلى نادٍ مغلق يحمي مصالحه.
خريطة متغيرة: واهم من يعتقد أن المشهد سيبقى كما هو
واهم من يعتقد أن الخريطة الحزبية بالجهة وبأقاليمها الخمسة ستبقى كما هي، فالشعور الشعبي المتنامي بعدم الرضا عن الحصيلة التنموية للأحزاب المهيمنة يؤشر على ضرورة إعادة ترتيب المشهد السياسي، وتغيير الأحزاب التي تدبر المجالس حالياً بأخرى يسعى المواطنون إلى منحها فرصة جديدة.
فالناخب في النهاية لا يصوت للأسماء فقط، بل يصوت أيضاً للأمل في تغيير الواقع نحو الأفضل، وهذا ما يفسر “الهدير” المتزايد لتيارات سياسية جديدة تحمل شعارات التجديد والكفاءة، وتراهن على الغيرة على الشأن العام كخيار استراتيجي.
نخب جديدة تُعلن رهان التغيير
وتأسيساً على ما سلف، يبدو أن بعض الأحزاب وخصوصاً حزب السنبلة والاتحاد الدستوري قادمون بنخب جديدة؛ تعطي نفساً جديداً لجهة تشرف على السكتة القلبية التنموية.
أسماء مثل الهواري حجاوي ومحمد بشيري والطاهري والقرطبي، وثلة من الغيورين على الجهة، يخططون -بحسب متتبعين- لكسر طوق أحزاب الكهنوت الجامد التي جثمت على صدر تدبير الشأن الجهوي، وحبست أنفاس التنمية بكل جغرافية مجالس جهة درعة-تافيلالت.
هذا الرهان الجديد يطرح إشكاليات استراتيجية: كيف يمكن لهذه النخب الجديدة أن تقدم برامج ملموسة تختلف عن الوعود القديمة؟ وأين هي آليات الشفافية التي ستضمن عدم تكرار نفس أخطاء نخب الفشل؟ ولماذا يجب على الناخب أن يثق في وجوه جديدة بينما جربه مع وجوه قديمة خذلته؟
إن تحويل الأمل في التغيير من شعار إلى مشروع يتطلب أكثر من أسماء جديدة، بل يحتاج إلى منهجية واضحة وشفافية مطلقة والتزام حقيقي بخدمة المصلحة العامة.
من الرفض إلى البديل الملموس
لم يعد مقبولاً أن تُترك جهة درعة-تافيلالت رهينة سياسة الفراغ ونخب الفشل، ما يحتاجه المواطنون والمهتمون بالشأن الجهوي اليوم هو برامج تنموية ملموسة وقابلة للتنفيذ، تركز على خلق فرص الشغل، وتحسين البنية التحتية، وجذب الاستثمار.
كما يتطلب الأمر شفافية كاملة في تدبير المال العام، مع محاسبة حقيقية لكل من يثبت تورطه في هدر الموارد أو التلاعب بالصفقات، بالإضافة إلى تجديد حقيقي في النخب، مع فتح المجال للكفاءات الشابة والمخلصة، بعيداً عن محاصصات الكهنوت الحزبي.
ويُنتظر أيضاً مشاركة فعلية للمجتمع المدني في رصد وتقييم السياسات العمومية، كشريك في الرقابة لا كمتفرج صامت، مع حوار جهوي جاد حول مستقبل درعة-تافيلالت، يجمع كل الفاعلين لوضع رؤية مشتركة تنقذ الجهة من الجمود.
إما تغيير يُنقذ الجهة وإما استمرار في ثقافة الفشل
ما تعيشه جهة درعة-تافيلالت مع أزمة الثقة في النخب المهيمنة ليس حلاً ظرفياً، بل هو اختبار لمصداقية التجديد السياسي وقدرة الناخب على تجاوز عقلية الخوف من التغيير لخدمة المصلحة العامة.
فإما أن تنجح النخب الجديدة في تقديم بديل ملموس وشفاف، يُعيد الثقة ويحرك عجلة التنمية، وإما أن تستمر ثقافة الفشل التي تُحوّل الجهة من فضاء واعد إلى رهينة الجمود وتُهدر ثقة المواطنين في قدرة السياسة على تغيير الواقع.
سكان درعة-تافيلالت ينتظرون، والتنمية ليست شعاراً والناخب ليس متفرجاً والجهة ليست “غنيمة أحزاب، بل أمانة في عنق كل من يطلب الثقة لقيادتها، والفشل ليس قدراً والتغيير ليس رفاهية ودرعة-تافيلالت تستحق أفضل من نخب تُهدر مستقبلها في دهاليز الكهنوت الحزبي.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد