هبة زووم – أحمد الفيلالي
لم يعد الحديث في أسواق الأضاحي بجهة الدار البيضاء ـ سطات يقتصر فقط على الأسعار الملتهبة أو القدرة الشرائية المنهارة، بل امتد هذه السنة إلى ما هو أخطر: الخوف من الغش والتلاعب بصحة المواطنين، في مشهد يكشف حجم الفوضى التي بات يعيشها قطاع تربية وتسويق الأغنام، وسط اتهامات صريحة للسلطات المحلية والجهات الوصية بالفشل في ضبط السوق وحماية المستهلك.
فمع اقتراب عيد الأضحى، تحولت الأسواق إلى فضاءات للريبة والشك، بعدما اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع مصورة وتسجيلات توثق لما وصفه مواطنون بـ”التحايل المنظم” في بيع الأكباش، عبر استعمال أعلاف مشبوهة ومواد مجهولة المصدر لتسمين الأغنام بشكل سريع، فضلاً عن التلاعب في جودة العلف وترويج رؤوس لا تتوفر فيها الشروط الصحية المطلوبة.
وإذا كان الغش في المواد الغذائية أو السلع الاستهلاكية قد أصبح ظاهرة مقلقة بالمغرب، فإن امتداد هذه الممارسات إلى أضاحي العيد يحمل دلالات أكثر خطورة، بالنظر إلى البعد الديني والاجتماعي لهذه الشعيرة، التي تحولت عند فئة من “الفراقشية” والسماسرة إلى موسم للاغتناء السريع ولو على حساب صحة المواطنين وكرامتهم.
الأخطر من ذلك أن هذه الفوضى تأتي في ظل موجة غلاء غير مسبوقة تضرب أسعار اللحوم والأعلاف والمحروقات منذ سنوات، ما جعل الأسر المغربية تدخل الأسواق وهي منهكة أصلاً اقتصادياً، قبل أن تجد نفسها أمام أسعار “ملتهبة” وأضاحٍ تحيط بها الشبهات من كل جانب.
وفي خضم هذا الوضع، تتعالى أصوات غاضبة تتهم والي جهة الدار البيضاء ـ سطات، محمد امهيدية، بالفشل في تأمين مراقبة حقيقية لقطاع الأغنام والأسواق المرتبطة به، معتبرة أن اهتمامه ينصب أساساً على الملفات الصناعية والاستثمارات الكبرى، بينما تُرك القطاع الفلاحي والكسابة الصغار في مواجهة المضاربين ولوبيات السوق دون حماية فعلية.
كما لم تسلم المديرية الجهوية للفلاحة من الانتقادات، حيث يرى متابعون أن ضعف المراقبة وغياب الصرامة في تتبع مسار تربية وتسويق الأغنام فتح الباب أمام ممارسات خطيرة، جعلت المواطن المغربي يعيش حالة خوف حقيقية من “حولي العيد”، بعدما كان العيد مناسبة للطمأنينة والفرح والتكافل.
ورغم الحملات التي باشرتها بعض اللجان المختلطة بمختلف المدن، بمشاركة السلطات المحلية والمكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، إلا أن كثيرين يعتبرون أن هذه التحركات جاءت متأخرة ومحدودة التأثير، ولم تستطع وقف حالة الانفلات التي تشهدها الأسواق، خاصة مع الانتشار الواسع لأساليب الغش والتلاعب.
اليوم، لم يعد السؤال فقط عن ثمن الأضحية، بل عن سلامتها أيضاً، فحين يفقد المواطن الثقة في الأسواق وفي الجهات المفترض أن تحميه، تصبح الأزمة أعمق من مجرد ارتفاع للأسعار، وتتحول إلى أزمة ثقة في منظومة كاملة يُفترض أنها تسهر على الأمن الغذائي والصحي للمغاربة.
إن ما يجري في أسواق الأضاحي يكشف بوضوح أن القطاع الفلاحي لم يعد يحتمل المزيد من الارتجال والتسيب، وأن استمرار هيمنة السماسرة ولوبيات المضاربة على قوت المغاربة وشعائرهم الدينية، في ظل ضعف الرقابة، ينذر بتحول العيد من مناسبة دينية جامعة إلى موسم للرعب الاقتصادي والصحي معاً.
وفي انتظار تحرك أكثر حزماً من السلطات القضائية والإدارية لردع المتورطين في الغش والاحتكار، يبقى المواطن المغربي الحلقة الأضعف، يواجه وحده جشع الأسواق وصمت المسؤولين، في عيد يُفترض أن يكون عنواناً للفرح، فإذا به يتحول إلى اختبار جديد لقدرة الأسر على الصمود.
تعليقات الزوار