هبة زووم – الدار البيضاء
في زمن أصبحت فيه النزاهة الانتخابية مجرد شعار يتردد في الخطابات الحزبية، والشفافية هدفاً يعلق على الجدران بينما تتبخر المبادئ في الكواليس، يعود حزب الأصالة والمعاصرة بالدار البيضاء ليُعيد إنتاج سيناريوهات “الفيلا الشهيرة”، حيث تتحول التزكيات من استحقاق نضالي إلى “سلعة تفاوض” في سوق النفوذ والمصالح.
مشهد لا يُثير فقط استياء المناضلين، بل يطرح سؤالاً وجودياً مُحرجاً: إذا كان مسؤول مجمد العضوية وممنوع من السفر يفرض مرشحيه على الحزب، فكيف ننتظر من البام أن يكون حزب إصلاح؟ وأي مصداقية هذه التي تسمح لـ”موثق تشم منه رائحة الفيلا” بأن يُحدد مصير الاستحقاقات الانتخابية تحت غطاء العمل الحزبي؟
فبينما تستعد الدار البيضاء لاستحقاقات حاسمة، تتصاعد داخل أروقة “البام” بعمالة مقاطعات الحي الحسني أصوات انتقادية حادة تجاه ممارسات وصفها متتبعون بـ”الغريبة”، تتورط فيها شخصيات حزبية مثيرة للجدل، في مشهد يعكس عمق الأزمة التي يعيشها الحزب بين رغبات الاستوزار ولوبيات المال والنفوذ.
سؤال بسيط لكنه قاسٍ: إلى متى سيستمر عبث الكواليس بينما يُترك المناضل يتفرج على حزبه وهو يُسرق أمام عينيه؟ وأي حكمة تدبير هذه التي تُحوّل الانتخاب من أمانة خدمة إلى سوق محسوبية؟
وفي هذا السياق، تثير حالة مسؤول حزبي، جمد عضويته من حزب البام مؤخراً، وهو متابع في حالة سراح على ذمة قضية وممنوع من السفر، تساؤلات كبيرة حول قدرته على التدخل في ملف التزكيات الانتخابية بالدار البيضاء، لفرض مرشحين تربطه بهم علاقات مصالح، وهو يشتغل – بحسب مصادر مطلعة – كـ”فكاك الوحايل” داخل أروقة الحزب.
هذا “الانزياح القيمي” في تدبير الملف الانتخابي يطرح إشكاليات وجودية: لماذا لا تُعلن قيادة البام عن معايير شفافة لانتقاء المرشحين، بدلاً من ترك شبكات النفوذ تدير المشهد؟ وأين هي آلية محاسبة تضمن أن كل تزكية تُمنح بناءً على الكفاءة والنزاهة، لا العلاقات والمصالح؟ وكيف يمكن للمناضل أن يثق في قيادة حزبه بينما يجد مسؤولاً مشكلاً قضائياً يُحدد مصير الاستحقاقات؟
فتحويل التزكية الانتخابية من حق نضالي إلى سلعة نفوذ لا يُهدر فقط مصداقية العمل الحزبي، بل يُرسّخ ثقافة اللامبالاة المؤسسية التي تُقدم راحة الكواليس على شرف الاستحقاق.
ولن نكشف سراً إذا قلنا إن السيد يدعي، علانية في صالونات عالم المال والأعمال، بأنه ليس سوى واجهة أو شريك لشخصية وازنة من “الفوق”، حسب ما تناقلته الأوساط المحلية.
أما “مول الفرماج”، فهو أيضاً واحد من الذين أعطوا أموالاً كثيرة للحزب –حتى لا أقول شيئاً آخر– وهو واحد من سكان وخريجي “الفيلا المعلومة”، حيث كانت تُفصل الخرائط الانتخابية، وتُصنع كل المجالس المنتخبة وغير المنتخبة.
هذا السياق المقلق يطرح أسئلة محرجة: لماذا لا تُعلن قيادة البام عن لائحة الممولين وشروط الدعم، بدلاً من ترك الشكوك تُحيط بملفات حساسة كتمويل الحملات؟ وأين هي الشفافية في تدبير ملفات التزكيات، ولماذا لا تُنشر معايير الاختيار أمام القاعدة الحزبية؟ وكيف يمكن بناء ثقة بين المناضلين والقيادة بينما تُترك شبهات الكولسة تُحيط بملفات انتخابية مصيرية؟
وهنا يمكن القول على أن تحويل الحزب من مشروع سياسي إلى سوق مصالح لا يُهدر فقط حقوق المناضلين، بل يُعمّق شعورهم بالعجز المؤسسي الذي يُحوّل المسؤول من خادم للحزب إلى حارس للامتيازات.
وآخر ما وقع من أفعال شبيهة ربما بما كان يحدث في “الفيلا المعلومة”، هو ما وقع مؤخراً بأحد فنادق الدار البيضاء، حيث كان “مول الفرماج” حاضراً في هذا اللقاء الرباعي الذي وصل فيه التهديد إلى حد إمكانية حرمان مسؤول بمجلس عمالة الدار البيضاء من التزكية الانتخابية إذا لم يترك دائرته الانتخابية لموثق ثري ومعروف ويريد الاستوزار بأي ثمن.
إذن، ما هو الحل لهذه الأمراض المزمنة التي تخترق اليوم الجسم العليل للبام؟ طبعا لسنا مؤهلين للإجابة عن هذا السؤال، لأن أبناء الحزب وذوي النيات الحسنة منهم هم المؤهلون للتنقيب عن مثل هذه الأجوبة.
لكن يقيناً أن الخطاب السياسي المتواضع وربما الهش، الذي تحدثت به منسقة الحزب في آخر نشاط للبام، فلن يعالج هذه الأمراض، حتى لا أقول إنه سيعمقها أكثر، في وقت يحتاج فيه البام إلى جراحة إصلاح شجاعة تقطع مع ممارسات الماضي وتعيد الثقة للمناضلين والمواطنين على حد سواء.
لم يعد اليوم مقبولاً أن تُترك ملفات التزكيات بالبام رهينة شبكات النفوذ وصمت القيادة، ما يحتاجه المناضلون والمهتمون بالشأن الحزبي اليوم هو: إعلان فوري عن معايير شفافة ومعلنة لانتقاء المرشحين، مع تحديد آليات الطعن والمراجعة، واعتماد مدونة سلوك ملزمة تمنع أي تدخل من أشخاص متابعين قضائياً في ملفات التزكيات، مع نشر قوائم الممولين وشروط الدعم، لضمان حق المناضل في المعلومة.
ما يعيشه حزب البام بالدار البيضاء مع ملف التزكيات ليس خلافاً تنظيمياً عادياً، بل هو اختبار وجودي لمصداقية القيادة الحزبية وقدرة المسؤولين على تجاوز عقلية الكواليس لخدمة المصلحة الحزبية.
فإما أن تتحول وعود النزاهة من كلمات في خطاب إلى ممارسات على الأرض، مع إرادة إصلاحية حقيقية ومحاسبة فعلية، وإما أن تستمر “ثقافة الفيلا” التي تُحوّل المسؤولية من تكليف لخدمة الحزب إلى مغنم للنفوذ الشخصي وتُهدر ثقة المناضلين في قدرة قيادتهم على تجديد صفوفهم.
تعليقات الزوار