هبة زووم – عبدالعالي حسون
أعادت التعيينات التحكيمية الخاصة بمباريات الجولة الثانية والعشرين من البطولة الاحترافية لكرة القدم فتح باب النقاش حول طريقة تدبير المنظومة التحكيمية الوطنية، بعدما كشفت لوائح مديرية التحكيم عن تكرار أسماء عدد من الحكام في أكثر من مباراة خلال الجولة نفسها، خاصة على مستوى تقنية المساعدة بالفيديو “الفار”.
ففي الوقت الذي يفترض أن تشكل تقنية الفيديو إحدى ركائز تطوير التحكيم وضمان تكافؤ الفرص بين الأندية، أثارت التعيينات الأخيرة موجة من التساؤلات داخل الأوساط الرياضية بشأن المعايير المعتمدة في توزيع المهام، ومدى قدرة مديرية التحكيم على الاستفادة من الكفاءات الوطنية المتوفرة دون حصر المسؤوليات في دائرة ضيقة من الأسماء.
وأظهرت اللائحة الرسمية تكليف الحكم نبيل بنرقية بمهمة حكم الفيديو في مباراتي النادي المكناسي وأولمبيك الدشيرة من جهة، والرجاء الرياضي ونهضة بركان من جهة أخرى، فيما تم تعيين عبد الحق المستغفير مساعدا لحكم الفيديو في المواجهتين معا.
كما تكرر اسم أحمد أضرضور كحكم للفيديو في مباراتي نهضة الزمامرة واتحاد يعقوب المنصور، ثم الجيش الملكي والدفاع الحسني الجديدي، بينما أسندت مهمة مساعد حكم الفيديو في المباراتين للحكم عبد العظيم شعيبي.
ولم تتوقف الحالات عند هذا الحد، إذ تم أيضا تكليف إيكن بوعزة بمهمة مساعد حكم الفيديو في مباراة أولمبيك آسفي والمغرب الفاسي، قبل أن يظهر اسمه مجددا في المباراة التي جمعت اتحاد طنجة بالوداد الرياضي.
ورغم أن القوانين التنظيمية لا تمنع من حيث المبدأ تعيين الحكم نفسه في أكثر من مباراة خلال الجولة الواحدة، خاصة عندما يتعلق الأمر بمباريات موزعة على أيام مختلفة، فإن الجدل الحالي لا يرتبط بالجانب القانوني بقدر ما يرتبط بالفلسفة التدبيرية التي تحكم عملية التعيين.
فالعديد من المتابعين يرون أن تكرار الأسماء نفسها يبعث برسائل سلبية حول مدى اتساع قاعدة الحكام المؤهلين لإدارة تقنية الفيديو، ويطرح سؤالا مباشرا حول ما إذا كانت مديرية التحكيم تثق فعلا في جميع الحكام الذين خضعوا للتكوين والاعتماد، أم أن دائرة الثقة ما تزال محصورة في عدد محدود من الأسماء.
ويزداد هذا النقاش حدة في ظل الاستثمارات المالية والتقنية المهمة التي تم ضخها خلال السنوات الأخيرة لتطوير التحكيم المغربي وتأهيل الحكام لاستخدام تقنية “الفار”، وهو ما كان يفترض أن ينعكس على توسيع دائرة الاستفادة من هذه التجربة ومنح الفرصة لعدد أكبر من الحكام لاكتساب الخبرة والتجربة الميدانية.
ويرى متابعون أن الاعتماد المتكرر على الأسماء نفسها قد يؤدي، على المدى البعيد، إلى خلق نوع من الاحتكار غير المعلن لبعض المهام التحكيمية الحساسة، ويحد من فرص صقل خبرات حكام آخرين ينتظرون بدورهم نيل فرصتهم داخل هذه المنظومة.
كما أن غياب أي توضيحات رسمية من طرف مديرية التحكيم الوطنية بخصوص خلفيات هذه الاختيارات يزيد من حدة التساؤلات، خاصة في ظرفية تعرف أصلا نقاشا واسعا حول أداء التحكيم المغربي ومعايير التعيين والتقييم والمحاسبة.
وفي الوقت الذي تطالب فيه الأندية والجماهير بمزيد من الشفافية داخل المنظومة التحكيمية، تبدو مديرية التحكيم مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بتوضيح منهجية توزيع المهام بين الحكام، والكشف عن المعايير التقنية والمهنية التي تجعل بعض الأسماء تحظى بحضور متكرر في مباريات متعددة خلال الجولة نفسها.
فالرهان الحقيقي لم يعد يقتصر على ضمان السير العادي للمباريات، بل أصبح مرتبطا ببناء الثقة في منظومة التحكيم ككل، وهي الثقة التي لا يمكن ترسيخها إلا عبر الشفافية وتكافؤ الفرص وتوسيع قاعدة المشاركة أمام جميع الكفاءات المؤهلة، بعيدا عن أي انطباع قد يوحي بوجود دائرة مغلقة تحتكر أهم التعيينات داخل غرفة الفيديو.
وإلى أن تقدم مديرية التحكيم توضيحاتها بشأن هذه الاختيارات، سيظل الجدل قائما حول الأسباب الحقيقية وراء تكرار الأسماء نفسها، وحول ما إذا كان الأمر مجرد ضرورة تقنية فرضتها البرمجة، أم مؤشرا على اختلالات أعمق داخل آليات تدبير واحدة من أكثر الملفات حساسية في كرة القدم الوطنية.
تعليقات الزوار