“الربيع العربي “: ثلاث سنوات للذكرى

في مثل هذه الأيام، خرجت جماهير العديد من الدول العربية والإسلامية في مظاهرات واحتجاجات ارتبطت بمطالب اجتماعية تتمثل في العدالة الاجتماعية والحرية والديمقراطية.
لكن سرعان ما أصبحت ككرة ثلج تدحرجت وكبر حجمها ليكون اسقاط النظام غايتها وهدفها الرئيس.
ويمكن اجمالا تقسيم هذا الكل الى ثلاث مستويات، اتخذت الاحتجاجات في الأول بعدا جماهيريا كتونس ومصر، في حين سلك الثاني طريق المواجهة المسلحة كليبيا وسوريا واليمن، أما الثالث فاختار التغيير في اطار الاستقرار ويتجسد في المغرب فقط.
غير أن مرور ثلاث سنوات من ما كان يسمى “ربيعا عربيا”، خلف نتائج خالفت كل التوقعات وخيبت آمال العديد ولو بنسب متفاوتة بين المستويات السابقة.
واتضح الأمر في عجز تام عن تغيير النظام الذي كان سائدا من قبل .
نعم خلع رأس النظام لكن هياكله ومؤسساته ظلت تتحكم في زمام الأمور، فوضعت الوحل تارة والعصي تارة أخرى في عجلات التغيير والتحول الديمقراطي المنشود.
ويمكن اجمال بعض النتائج على ثلاثة أبعاد: بعد الفرد ، وبعد النخبة، وبعد الإعلام.

البعد الأول: هنا تتأرجح التسمية بين ما كان متداولا(الرعية) وما كان يطمح اليه الجمهور(المواطن).
لكن ما وقع لا يخفي ضعف الفرد على مستوى التأطير وعدم القدرة على تدبير المشترك.
وأضحى كمن يقف في مفترق طرق بدون تشوير لا يعرف الاتجاهات، تقاذفته أمواج الليبيراليين والإسلاميين والقوميين و.
.
.
.
.
هذه الفوضى شكلت متنفسا لجيوب المقاومة والمستفيدين لالتقاط الأنفاس وترتيب الصفوف مستغلين كل مكامن القوة التي كانوا يسهرون عليها.
وهنا يتجلى بالملموس مدى تأثير الأمية والجهل في عدم القدرة على استيعاب طبيعة المرحلة والدور الذي من المفروض وأن يقوم به كل بحسب موقعه، دون أن نهمل الدور الخارجي المتمثل في القوى الرأسمالية العالمية المتدخلة لحماية مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية.
لتكون المحصلة، جعل هذا الفرد يتمنى عودة النظام السابق ويدعو من أجل ذلك، وليلعن اليوم الذي فكر فيه في التغيير والاحتجاج.
وبذلك يتم اعداده للمرحلة المقبلة لتقبل أي نظام كان ولو كان ديكتاتوريا، لأن الأمر كان في السابق سيئا وهو الآن أسوأ.

البعد الثاني : يرتبط بدور النخبة في عملية التغيير المنشود، بالنظر لشجاعتها الأدبية .
هذه الشجاعة ان وجدت ، تكون ثمينة جدا وغير قابلة للبيع أو الشراء.
طالما وأن المثقف يعتبر ضمير الأمة الحي، ذلك الشخص المحترم والشفاف الذي يتوجه الى الجماهير بتحليلاته وقراءاته للواقع بشكل رزين، راسما تلك القدرة على التأطير والتأثير من خلال نظرته المستقبلية ومستوعبا لطبيعة المرحلة ومتطلبات التغيير.
ولكن واقع الأمر أبان على عجز العديد، ممن يندرجون تحت اسم النخبة ، عن القيام بعملية تشريح لمكامن الخلل في النظام السابق، وعدم قدرتهم على كشف خبايا الفساد والإفساد، وأبانوا على أن الحبل السري الذي يربطهم بمصدر قوتهم ومكانتهم غير قابل للقطع وأن “التغذية” خارجه تعتريها مخاطر جمة.
لذلك تمسكوا بتلابيب ما تبقى من أجهزة النظام وتفننوا في قراءة القوانين والتشريعات واستأسدوا في المرافعة ضد كل خطوة في اتجاه تحريك العجلة الى الأمام.
وكشفوا الغطاء عن عورتهم باعتبارهم طابورا خامسا وأن المسميات التي يظهرون بها(محلل اقتصادي – محلل ساسي – خبير.
.
.
) لا تستمد من ما يكتب ويتوجه به للقارئ ، ولكنها مجرد كتابات وأقوال للاستهلاك الإعلامي لا أقل ولا أكثر، سعيا وراء خلق وصناعة رأي عام حول قضية معينة ولخدمة مطالب أسيادهم وآمريهم.

البعد الثالث: ويتعلق بالإعلام، تلك السلطة الرابعة والتي تضطلع بمهمة تنوير الرأي العام من خلال برامج ومواضيع تكون بمثابة أرضية للنقاش العمومي، عبر استضافة نخبة من المثقفين ورجالات الفكر والمعرفة.
لكن الوقائع، وما تمت متابعته طيلة هذه السنوات، يكشف جيدا عن طبيعة التداخلات بين الرأسمال المادي والرأسمال الرمزي.
هذا التداخل جعل “المعلومة” تخضع لمنطق السوق، لمزاد علني تكون فيه الغلبة لمن يدفع أكثر، بل ذهب الأمر الى حد فبركة قضايا لتوجيه تفكير الناس أو للشيطنة المقصودة بين هذا الطرف أو ذاك.
وان كان الفضل الكبير يرجع الى مواقع التواصل الاجتماعي والجرائد الالكترونية والتي أبانت على تجاوز وتحطيم القيود التقليدية التي كان يفرضها الإعلام التقليدي عبر تحكمه في طبيعة المعلومة واخضاعها ل”مقص الرقابة”، فان العديد من المفكرين يذهبون الى ان ذلك كان موجها من دوائر خارجية.
لكن جنينية الفكرة تدفعنا الى المطالبة بتوفير الحماية والرعاية لهذا النوع من الصحافة آملين أن تكون معبرة حقيقة عن آمال الشعب وطموحات الجماهير.

ان ما يقع اليوم في أوكرانيا وتايلاند مثلا، يفرض علينا الوقوف مليا لاستخلاص الدروس .
عبر ترتبط بمدى وعي المواطنين، وعدم انجرارهم الى مواجهة، أو الى حمل السلاح في وجه بعضهم البعض، بين أبناء الوطن الواحد، أو الى الاعتداء على ألوان العلم الوطني.
.
.
.
.
يا للأقدار، ليست هناك لا” قاعدة ولا واقفة” تتبنى مواجهة النظام أو الاختيار المسلح .
أما الجيش فيطلب منه التدخل ويمتنع ويرفض بشدة لأن الأمر يتعلق بمجال السياسة والتدبير ويقف على نفس المسافة من الجميع، ولم يقدم على ترجيح كفة على أخرى تحت دواع واهية.
.
.
.
هكذا تبنى دولة المؤسسات ودولة المواطن.

بقلم  كريم سعيدي

 

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد