هبة زووم – أزيلال
لم يحتج عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، إلى توجيه اتهام مباشر إلى وزارة الداخلية حتى يضع نتائج الانتخابات التشريعية بدائرة أزيلال–دمنات في دائرة الضوء.
فالرجل أشاد أولاً بطريقة تدبير الوزارة للاستحقاق الانتخابي، قبل أن يفتح، في اللحظة نفسها تقريباً، واحداً من أكثر الملفات إثارة للجدل داخل حزبه، بعدما اعتبر خروج مرشح “المصباح” خالد تيكوكين من المقاعد الثلاثة أمراً “غير معقول”، وتحدث عن احتمال التلاعب بالمحاضر.
بنكيران، الذي كان يتحدث، يوم أمس السبت، خلال الدورة الاستثنائية للمجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية ببوزنيقة، حرص على تسجيل إشادته بتعامل وزارة الداخلية مع الاستحقاقات الأخيرة، قائلاً إن الوزير “واكب وأوضح وتواصل مع الحزب في عدد من القضايا”، غير أن هذه الإشادة لم تمنعه من الانتقال مباشرة إلى الحديث عن “أمور غير مقبولة وغير معقولة”، مستحضراً تحديداً حالة تيكوكين بأزيلال، ومتحدثاً عن وجود “من تلاعب بالمحاضر”.
وهنا بالضبط تبدأ المفارقة السياسية التي تستحق التوقف، فإذا كانت الإدارة الانتخابية قد أدت مهمتها بشكل يحظى بإشادة بنكيران، فمن يقصد الرجل عندما يتحدث عن التلاعب بالمحاضر؟
السؤال لا يعني إدانة أي جهة، ولا يسمح، في غياب قرار قضائي، بتحويل تصريحات سياسية إلى وقائع ثابتة. لكنه يكشف أن حزب العدالة والتنمية لا يعتبر أن قصة أزيلال انتهت بمجرد إعلان النتائج الرسمية.
القصة بدأت ليلة الاقتراع بصورة مختلفة تماماً، فقد أظهرت معطيات جزئية في منطقة أيت بوكماز تقدم خالد تيكوكين بحوالي 4200 صوت مقابل نحو 4100 صوت لمرشح الأصالة والمعاصرة محمد آيت بنعلي، الأمر الذي دفع مرشح “المصباح” إلى إعلان فوزه عبر تدوينة مقتضبة، قبل أن تتغير الصورة مع استكمال احتساب نتائج باقي مكاتب التصويت.
وبعد استكمال الإحصاء، جاءت النتائج النهائية لتمنح المقاعد الثلاثة للأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال، بينما حل تيكوكين رابعاً بحوالي 7300 صوت، وتصدر “البام” الدائرة بـ11 ألفاً و86 صوتاً، يليه الأحرار بـ8013 صوتاً، ثم الاستقلال بـ7612 صوتاً.
ومن الطبيعي أن يخلق الانتقال من احتفال بالفوز استناداً إلى نتائج جزئية إلى المرتبة الرابعة بعد اكتمال الإحصاء مساحة واسعة للتساؤلات السياسية، خصوصاً عندما يكون الفارق مع صاحب المرتبة الثالثة محدوداً نسبياً.
لكن هناك نقطة أخرى لا تقل أهمية: وزارة الداخلية أعلنت، الجمعة، أن النتائج النهائية للانتخابات التشريعية تطابقت بشكل كامل مع النتائج العامة المؤقتة التي سبق الإعلان عنها، بعد انتهاء لجان الإحصاء الإقليمية والجهوية من عملها. كما تم إيداع المحاضر لدى المحكمة الدستورية وفق المسطرة القانونية.
وهذا يعني أن الكرة، بعد التصريحات السياسية، تنتقل إلى المساطر القانونية والمؤسسات المختصة، فإذا كان لدى حزب العدالة والتنمية ما يثبت وجود اختلاف بين المحاضر أو خروقات أثرت في ترتيب النتائج، فإن المسار الطبيعي هو تقديم الطعن والاحتكام إلى الوثائق الرسمية، وليس الاكتفاء بالانطباعات أو بفارق الشعبية المفترض بين مرشح وآخر.
وهو ما يبدو أن الحزب يتجه إليه بالفعل، إذ أعلن بنكيران أن الحزب سيطعن في النتائج، مع تأكيده أنه لا يتهم وزارة الداخلية بالتلاعب.
أما تيكوكين نفسه، فقد تحدث بدوره عن ضرورة إعادة الحساب، مؤكداً أن الاعتراض على النتائج له “مسالكه ومساطره”، وفي تصريحات لاحقة، وجه رسائل إلى السلطات المحلية ودعا إلى الحياد، معتبراً أن ما جرى يستحق الوقوف عنده.
وهكذا تتحول أزيلال–دمنات إلى اختبار مزدوج: اختبار لمدى قدرة الأحزاب على توثيق اعتراضاتها بالوثائق، واختبار لقدرة المؤسسات على تقديم جواب قانوني واضح عن كل نقطة خلاف.
فالإشكال ليس في أن يرفض حزب نتيجة انتخابية، فهذا حق يكفله القانون عبر مساطر الطعن، وإنما في أن تبقى الأسئلة معلقة بين إعلان أولي بالفوز، ونتيجة نهائية مختلفة، وحديث سياسي عن “التلاعب بالمحاضر”.
وبين إشادة بنكيران بوزارة الداخلية من جهة، وتشكيكه في ما جرى داخل دائرة أزيلال من جهة أخرى، يبرز السؤال الأكثر حساسية: هل نحن أمام مجرد انتقال طبيعي من نتائج جزئية إلى نتائج نهائية، أم أن هناك فعلاً معطيات موثقة تستدعي إعادة فحص المحاضر؟ الجواب لن تحسمه المنابر ولا التدوينات، بل المحاضر نفسها وما ستقوله المؤسسات المختصة بشأنها.
وفي انتخابات يفترض أن تكون فيها الورقة الانتخابية عنواناً للإرادة الشعبية، فإن أي شك مرتبط بالمحاضر لا ينبغي أن يُقابل لا بالتجاهل ولا بالأحكام المسبقة، وإنما بالوثيقة، والتحقق، والقانون.
تعليقات الزوار