الباطرونا تقترح والمسؤولية الوطنية للحكومة في التفاوض ثابتة

في زمن حرب العملات والاستراتيجيات الاقتصادية التي تميز الصراعات الاقتصادية دوليا في الألفية الثالثة، تتبع الرأي العام الديناميكية التي تميز عمل المنظمة الممثلة للباطرونا المغربية، دينامية غنية بالدراسات والاقتراحات التي تتطلب تحليلا حكوميا عميقا للوقوف على ما يمكن أن يتمخض عن تبنيها رسميا.
كيف ما كان الانطباع “الاستباقي” حول هذه الاقتراحات، فإن الحكومة مطالبة بشكل عام بتحليل الاقتراحات وتقييمها تقييما علميا، وبالتالي اعتماد مبدأ التفاوض مع الفرقاء كأساس للدخول في زمن تفعيل شعارات الحكامة الجيدة.

فبعدما طالبت منظمة الباطرونا المغربية، تحت شعار الرفع من تنافسية الوحدات الإنتاجية الناشطة في مجال الاقتصاد الحقيقي (السلع والخدمات)، بخفض الضرائب وعلى رأسها الضريبة على القيمة المضافة، معتبرة ذلك مطلبا أساسيا للرفع من نسبة النمو وتنافسية الاقتصاد الوطني، تعود نفس المنظمة في الأسبوع الماضي (يوم 19 شتنبر 2014) لتقديم مقترح جديد للحكومة معلنة اعتمادها أحد المبادئ الأساسية للحكامة الرشيدة، وهو مبدأ “رابح-رابح”.
لقد أعلنت الباطرونا في مجلسها الأخير استعدادها للتعاقد مع الحكومة من أجل خلق مائة ألف (100 ألف) منصب شغل مقابل إعفاء رأس المال المشغل من مساهمته لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لمدة ثلاث سنوات.

لقد تتبع الرأي العام أن هذا الاقتراح الذي تم إعلانه ونشره رسميا في إطار الرفع من تنافسية الاقتصاد الوطني، أي أنه اقتراح سيمكن من خلال تبنيه وتطبيقه مؤسساتيا من تحسين المؤشرات الاقتصادية الأساسية للبلاد بوقع تدرجي ستبرز معالمه بشكل تصاعدي على المدى القريب، والمتوسط والبعيد.
وبذلك، فالتفاوض في شأن هذا المقترح لا يمكن أن يخضع للمنطق الحسابي الضيق، والذي يمكن أن يتحول إلى ذريعة للتنصل من المسؤولية الحكومية في التحليل العميق والتقييم الاقتصادي الاستراتيجي.
فلا يمكن موضوعيا أن يكون أساس الرد الحكومي مرتبط بحرصها “الذاتي” على خفض العجز في الميزانية من خلال سياسة تقشفية مبالغ فيها تحت ضغط هوس الاستمرارية والوصول إلى نهاية المدة الانتدابية بأي ثمن.

المطلوب من الحكومة أن تستحضر التصاعد المستمر لنسبة البطالة، خاصة في صفوف الشباب (حسب إحصائيات المندوبية السامية للتخطيط، ستة شباب من عشرة يعانون البطالة)، وأن تقدم الإيضاحات العلمية اللازمة لقراراتها في المجال الاقتصادي عوض اللجوء إلى الذرائع السطحية كأن تصرح كالمعتاد بكون هذا المقترح سيكلف ميزانية الدولة أكثر من 450 مليون درهم.

من باب الموضوعية السياسية والمسؤولية الوطنية، لا يمكن أن يختلف اثنان أن على حكومة الدستور الجديد أن تتحمل مسؤوليتها الكاملة في تدشين الخطوات الأساسية للإقلاع الاقتصادي الحقيقي للبلاد موازاة مع تثبيت المزيد من المكتسبات والتراكمات السياسية (ربط روح دستور 2011 الديمقراطية والحداثية بالواقع).
على رئيس الحكومة أن يتذكر أن عبد الرحمان اليوسفي غامر بقوة حزبه من أجل الوطن، ولم يتردد، وهو على رأس حكومة التناوب التوافقي، في اتخاذ الإجراءات الضرورية لإرساء معالم جديدة لوطن جديد بمقومات سياسية واقتصادية جديدة (صدقه في تحمله للمسؤولية جعل حزبه يتبوأ المرتبة الأولى في أول انتخابات برلمانية نزيهة وشفافة في تاريخ المغرب، انتخابات لم يشكك في نزاهتها للضغط والمناورة).
عبد الرحمان اليوسفي، الكاتب الأول لحزب القوات الشعبية، لم تسمح له نفسه إلى قيادة حكومته في اتجاه اعتماد الحلول ذات الطابع “السياسوي” الصرف كالبحث على السبل للوصول إلى تقديم الدعم المالي المباشر للفقراء كقاعدة انتخابية عريضة.
أقول هذا، من باب الاحتكاك بهذه الفئات العريضة من الشعب المغربي لكوني واحد منهم، لأن ما تحتاجه الأسر الفقيرة المغربية هو توفير فرص الشغل لفلذة أكبادهما (الدخل القار لأسرهم وليس صدقات ظرفية).
وعليه، فإذا كان مقبولا بحث الدولة على ربح المزيد من الوقت في انتظار مردودية الاستثمارات العمومية والخاصة وتجهيزات البنية التحتية (المبادرة الوطنية للتنمية البشرية كنموذج يرمي في فلسفته إلى تقليص العجز في المجال الاجتماعي من خلال محاربة الفقر والهشاشة والتشجيع على المبادرة وخلق المشاريع المدرة للدخل)، فإن الشعب المغربي في أمس الحاجة إلى أفكار إستراتيجية، “سحرية” في طبيعتها اعتبارا للمجهود المطلوب بذله لإبداعها.
لقد أكد تاريخ التدخلات الاقتصادية دوليا، لمواجهة الأزمات وتيسير عمليات الإقلاع الاقتصادي للدول والأمم، أن التشغيل ورفع أجور العمال والمستخدمين والموظفين، وتوسيع قاعدة الطبقة الوسطى، كان دائما المحور الأساسي للسياسات الاقتصادية الإستراتيجية للحكومات من أجل الرفع من نسبة النمو، وبالتالي تراكم الثروات بالشكل الذي يجعل من التدخلات العمومية لمحاربة الفقر شأنا وطنيا عاما وليس إجراءا “سياسويا” بنفحات “انتخابوية” خاصة (مصدر عيش الطبقة الفقيرة مرتبط أشد الارتباط بالوضع المعيشي للطبقة الوسطى).

ونتساءل في الأخير، هل الحكومة قد استحضرت حرب العملات (خفض قيمة الدولار الأمريكي مثلا) وصراع الاستراتيجيات الاقتصادية ما بين الدول العظمى وتأثيره على الاقتصاد الوطني، ومدى استحضار هذه المعطيات في تحديدها للمعالم الأساسية لمشروع ميزانية 2015؟.
ونظرا لأهمية هذا الموضوع، أقتصر على طرح هذا السؤال على أن أعود في مقال لاحق لفتح النقاش بشأنه ارتباطا بالإمكانيات والفرص المتاحة التي يمكن أن يوفرها انفتاح المغرب السياسي والاقتصادي على روسيا والصين.
كما أعتقد، أن الانفتاح المغربي على تركيا يمكن أن ينفع البلاد في مجال الاحتكاك والتنافس لكون البلدين بوابتين على قارتين هامتين (إفريقيا وآسيا).
وبذلك، لا يمكن لبلادنا، بدوافع قد تكون عقائدية في الأساس، أن تمكن تركيا كبلد نامي من احتكار الصفقات في مجال البناء والأشغال العمومية مثلا.

 

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد