أنا ما حبيب حد…

حميد طولست

شمس الظهيرة تلفح بشرتها الشاحبة ، والألم يعتصر قلبها اعتصارا ويزيد تجاعيد وجهها عمقا و تجذرا ، وهي تجر رجليها جرا نحو بيت ابنها وكلها شوق لرؤيته .
وصلت إلى بيت ابنها ، عفوا “براكة” ابنها ، بـ “الكريان” المتاخم للمدينة .
.
قرفصت فوق حصير رث ممزق تسترجع أنفاسها في انتظاره .
.
.

دفع الباب بعنف ، وبدون استئذان !!!  اختلجت فؤادها رغبة في ضمه إلى صدرها .
اندفع بجسده المدكوك وقسماته الغليظة وسحنته المكفهرة ، كثور هائج.
سلم سلاما ينذر بالويل .
.
وقف قبالتها عاقدا ذراعيه على صدره ، اقتحمها بنظرة متعالية ، رافعة خافضة تومض بالشر والكراهية  ، وفي حركة هستيرية أزاح طاقيته البيضاء عن شعر رأسه الكث المغبر.
.
ألقى بها على الأرض الفارغة من أي أثاث إلا الحصير الممزق الوسخ  .
.
تزعزعت البراكة من زعيقه المرعب ، مسائلا المرأة المذعورة : وووووامي واش ما بغتيش تحشمي وترجعي لله ؟

تدافعت دقات قلبها .
.
ارتجف جسمها الضامر ، انطفأت ابتسامة اللقاء ، هامت عيونها المتعبة في عوالم العجب ، أدركت أن الأمر يتعلق بوجهها السافر ، ككل مرة !!صمت متوتر خانق ، استجمعت قواها ، ابتلعت ريقها ، وأجابت بنبرة واجفة مضطربة !!!مناش غادي نحشم يا حبيبي ؟ ما كنسرق ما كنخطف ؟ وأنا مسلمة ، وتنقول لا اله إلا الله ومحمد رسول الله ، تنصلي ، وتنصوم ، وتنعرف الله .
.
انتفض مكفهرا يزفر الغضب في الهواء ، منذرا ، متوعدا : آلالة لا تصلي ولا تصومي ولا تقوليش حتى لا اله إلا الله ومحمد رسول الله ، غير غطي وجهك ، راه الله هو الي أمر بذاك الشي .
.
توقفت عن لوك قطعة الخبز الحافي التي لم تستطع بلعها .
.
.
سلمت على زوجة ابنها المكومة في سوادها بإحدى زوايا البراكة وانصرفت دامعة منكسرة .
.
تحول بكاؤها الصامت إلى إجهاش وتنهدات عميقة تم إلى صراخ وعواء مخضب بسيل من الأدعية ، أثارت انتباه المارة .
.
تجمع الناس حولها يستفسرون عن سر بكاء المرأة ونحيبها .
.

أخبره الناس بعدها الابن أن أمه على فراش الموت ، عقد حاجبيه مرددا ( زيارة الكفار حرام ) .

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد