التوظيف الجامعي في المغرب.. هل تكفي الكفاءة وحدها أم تحكمه شبكات النفوذ الأكاديمي؟

هبة زووم – محمد خطاري
لم يعد النقاش حول الجامعة الحديثة يقتصر على جودة التكوين أو عدد الأبحاث المنشورة، بل امتد اليوم إلى سؤال أكثر حساسية وعمقًا: كيف يمكن حماية النزاهة الأكاديمية داخل المؤسسات الجامعية حين تتداخل أدوار الباحثين والأساتذة ولجان التقييم والتوظيف؟ وأين ينتهي التعاون العلمي المشروع، وأين تبدأ شبهة تضارب المصالح؟
هذا السؤال لم يعد نظريًا أو معزولًا عن الواقع المغربي، بل بات يُطرح بإلحاح داخل عدد من المؤسسات الجامعية، خاصة مع تنامي شبكات التعاون البحثي داخل المختبرات وفرق البحث، وظهور حالات يصبح فيها الأستاذ الجامعي مؤطرًا ومقيّمًا وصاحب تأثير مباشر أو غير مباشر في مسار التوظيف الأكاديمي داخل المؤسسة نفسها.
في الأصل، لا أحد يجادل في أن التعاون العلمي بين الأستاذ الجامعي والطالب الباحث يُعد من صميم العمل الأكاديمي الطبيعي، فالأبحاث المشتركة، والإشراف على الأطروحات، والعمل داخل فرق بحث متعددة التخصصات، كلها مؤشرات على حيوية الجامعة وديناميتها العلمية، بل إن الهيئات الدولية المعنية بالبحث العلمي تعتبر هذا النوع من التعاون عنصرًا إيجابيًا يعكس تطور الإنتاج المعرفي.
لكن الإشكال لا يبدأ داخل المختبرات، بل عندما تنتقل هذه العلاقة من دائرة البحث العلمي إلى دائرة اتخاذ القرار الأكاديمي، خصوصًا حين يصبح الأستاذ الذي تربطه علاقة بحثية مباشرة بالباحث، عضوًا في لجنة تقييمه أو مناقشة أطروحته أو حتى في لجنة لها تأثير على مسار توظيفه الجامعي.
هنا تدخل الجامعة ما يُعرف في الأدبيات الأكاديمية الدولية بـ”المنطقة الرمادية”، حيث لا يكون السؤال: هل وقع تحيز فعلي؟ بل: هل توجد ظروف قد تُثير شبهة غياب الحياد؟
في التجارب الجامعية المتقدمة، يُنظر إلى هذا النوع من الحالات بحذر شديد. ففي عدد من الأنظمة الأكاديمية الغربية، لا يُشترط إثبات وجود محاباة فعلية لإثارة مسؤولية المؤسسة، بل يكفي وجود “شبهة معقولة” قد تؤثر على الثقة في القرار الأكاديمي. لأن جوهر النزاهة الجامعية لا يقوم فقط على العدالة، بل أيضًا على الإحساس الجماعي بوجود عدالة فعلية وشفافة.
فالجامعة ليست مجرد فضاء لإنتاج المعرفة، بل مؤسسة يفترض أن تقوم على تكافؤ الفرص والاستقلالية الفكرية والحياد المؤسساتي، وعندما يشعر الباحثون الشباب أن مسارات التقييم أو التوظيف قد تتأثر بعلاقات سابقة داخل المختبرات أو شبكات النفوذ الأكاديمي، فإن الثقة في المؤسسة تبدأ بالتآكل تدريجيًا، حتى وإن كانت الإجراءات قانونية من الناحية الشكلية.
وفي السياق المغربي، تبدو الإشكالية أكثر تعقيدًا بسبب تداخل العلاقات الأكاديمية داخل المؤسسات نفسها، وضعف ثقافة التصريح بتضارب المصالح، وغياب آليات واضحة تُلزم أعضاء اللجان بالتنحي في حالات معينة، كما هو معمول به في عدد من الجامعات الدولية.
فالمشكل الحقيقي لا يكمن دائمًا في وجود خرق قانوني صريح، بل في غياب الحواجز الأخلاقية والمؤسساتية التي تمنع تحول الجامعة إلى فضاء مغلق تتحكم فيه العلاقات الشخصية وشبكات التأثير المتبادل.
كما أن تضخم العلاقات داخل نفس المؤسسة – بين التأطير العلمي والتقييم والمشاركة في لجان الانتقاء – يخلق انطباعًا لدى جزء من الرأي الأكاديمي بأن بعض المباريات الجامعية قد تُحسم مسبقًا داخل “دوائر غير مرئية”، حتى وإن جرى احترام المساطر الإدارية ظاهريًا.
لذلك، لم يعد إصلاح الجامعة المغربية مرتبطًا فقط بالبنيات أو التمويل أو تحديث المناهج، بل أصبح رهينًا أيضًا ببناء ثقافة حقيقية للنزاهة الأكاديمية، تقوم على الشفافية وتكافؤ الفرص والفصل الواضح بين التعاون العلمي ودوائر القرار الإداري والتوظيفي.
فالجامعات القوية لا تُقاس فقط بعدد منشوراتها العلمية، بل بقدرتها على حماية الثقة داخل المؤسسة، وضمان أن يكون معيار الاستحقاق فوق كل علاقة أو شبكة أو ولاء أكاديمي.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد