اليحياوي: قفة رمضان اعتراف رسمي بالهشاشة الجماعية

هبة زووم – الرباط
مرة أخرى، يختار الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي أن يضع يده على الجرح المفتوح، لا بل على جروح متعددة، في تدوينة صادمة حول “قفة رمضان”؛ تلك المبادرة التي صممت كي تكون عملاً تضامنياً، لكنها في نظر اليحياوي ليست سوى مؤشر ثقيل الدلالة على عمق الاختلال الاجتماعي واتساع رقعة الهشاشة في البلاد.
الأرقام التي يستحضرها ليست عابرة ولا قابلة للتأويل المريح: حوالي أربعة ملايين ونصف مليون مستفيد، أي أكثر من مليون أسرة، ثلاثة أرباعهم تقريباً من العالم القروي، مصنفون ضمن “الفئات الأكثر هشاشة”.
ضعفاء، مسنون، معاقون، أرامل… فئات تعيش، وفق توصيف صريح، في وضعية تستوجب تدخلاً استعجالياً لتأمين الحد الأدنى من شروط البقاء: دقيق، زيت، سكر. ليس للرفاه، بل فقط للصمود أياماً قليلة في وجه “تسونامي الأسعار” الذي لا يرحم، يقول اليحياوي.
غير أن السؤال الحقيقي، كما يطرحه اليحياوي بلهجة لا تخلو من السخرية السوداء، ليس في القفة ذاتها، بل في دلالتها: كيف لبلد يزخر بالثروات الطبيعية والبشرية، ويضخ مئات المليارات في مشاريع كبرى، أن يجد نفسه أمام أكثر من مليون أسرة معدمة أو شبه معدمة تبحث عن قفة غذائية موسمية؟ أي نموذج تنموي هذا الذي يُنتج كل سنة ملايين المحتاجين إلى صدقة ظرفية؟
الأخطر في هذا المشهد ليس ما تعلنه الأرقام الرسمية فقط، بل ما تخفيه، فخارج الإحصاءات، هناك من تعفف عن طلب القفة، من منعته كرامته من التسجيل، من تحرج من كاميرا تقتات على بؤسه، ومن أُقصي بقرار شفوي لـ”مقدّم” لا يعرف معاييره إلا هو.
وحين نضيف هؤلاء، يرتفع العدد – وفق تقدير اليحياوي – إلى خمسة أو ستة ملايين شخص، هنا لا نعود أمام حالات استثنائية، بل أمام وضع اجتماعي عام.
التدوينة تذهب أبعد من نقد آلية الدعم الموسمي، لتفكك مفهوم “الهشاشة” ذاته، فالهشاشة، كما يراها اليحياوي، لم تعد محصورة في فئات بعينها، بل أصبحت حالة جماعية، فمن منا، يتساءل، لا يشعر بالهشاشة وهو عاجز عن اقتناء الخضر والفواكه واللحم والسمك طيلة السنة؟ من لا يشعر بها وهو محروم من علاج لائق، أو تعليم في المستوى، أو أفق يمنحه بعض الأمل؟
بهذا المعنى، تتحول “قفة رمضان” من مبادرة تضامنية إلى شهادة إدانة صريحة، فهي لا تعالج الفقر، بل تُسكّنه مؤقتاً، لا تطرح حلولاً بنيوية، بل تؤجل الانفجار الاجتماعي، والأسوأ أنها تُطبع مع منطق الإحسان بدل منطق الحق، ومع التدبير الموسمي بدل السياسات العمومية المستدامة.
خلاصة اليحياوي قاسية بقدر ما هي صادقة: إذا كان لا بد من قفة، فإننا جميعاً بحاجة إليها، ليس لأننا جميعاً فقراء بالمعنى التقليدي، بل لأننا نعيش هشاشة شاملة في القدرة على العيش الكريم، قفة لا تُختزل في الغذاء، بل تمتد إلى الصحة والتعليم والعدالة الاجتماعية والكرامة.
إنها ليست دعوة إلى تعميم القفة، بل إلى إلغائها عبر بناء سياسات عمومية تُغني عنها، أما استمرار الاحتفاء بها كل عام، فهو احتفاء ضمني بفشل جماعي، يُراد له أن يُقدَّم في غلاف التضامن، بينما حقيقته عجزٌ مزمن عن ضمان أبسط الحقوق.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد