أخطار بيئية تجتاح مدننا

عبد اللطيف مجدوب

الثقافة البيئية بيننا

لنكن صرحاء ، ونجهر بها أمام المغاربة ، بمختلف مشاربهم ، أن نظرتنا أو بالأحرى ثقافتنا البيئية حديثة ، لم تكن تتجاوز “الجوار” أو “المحيط” أو “الجورة” .
.
نظرة كانت ؛ إلى عهد قريب ؛ مطبوعة بوجوب توفر قيم أخلاقية كالاحترام المتبادل بين الجيران ، والتعاون .
.
لكن سرعان ما ستأخذ هذه القيم بعدا آخر ، وتمتد إلى فضاءات أرحب كعدم الإساءة للجار والجوار ، والحفاظ على الهدوء والسكينة ، وعدم إقلاق راحة الغير ، والحفاظ على النظافة ، وعدم رمي النفايات في قارعة الطريق .
لكن مع التطور المذهل الذي شهده العمران داخل المدن المغربية ، وبتزامن مع تدفق الهجرة القروية .
.
اقترنت البيئة ـ ولو بمفاهيمها النسبية ـ بظواهر سلوكات بشرية ألحقت بها أضرارا جد خطيرة كتسريبات المياه الحارة ، ومطارح النفايات المجاورة لأحزمة المدن ، وانفجارات في صهاريج معالجة المياه ، واختلاط المياه الشروبة بمياه الوادي الحار ، وأخيرا نفايات المعامل والمصانع والأوراش التي يقع معظمها داخل المجالات الحضرية .

كوارث التلوث

أول خطر محدق بنا جراء الإساءة إلى تعاملنا مع البيئة Environnement هو التلوث بمختلف أنواعه وأشكاله ، سنقتصر على تلوث الهواء وتلوث الماء وتلوث المكان وآثارها على الإنسان والمنتوج الفلاحي والحيواني .
.

ولعل أبرز ظاهرة تسترعي انتباه أي مواطن ؛ وهو يذرع شوارع مدينة ما بدءا بالعاصمة الرباط ، وفاس ، والدار البيضاء .
.
الروائح الكريهة المنبعثة عادة من مسارب المياه ؛ روائح خنْزيّة تصل درجة من التركيز الكيميائي قادرة أن تسيل الدموع ، وتبعث على الغثيان ؛ فكيف بسريان مفعولها تجاه السكان ؟! .
.
موجة هذه الروائح دائمة وتفور بدرجة عالية ليلا ، وفي الأيام القائظة .

بالنسبة لتلوث المياه ، فتتوفر الصحافة المغربية على ملفات ضخمة في هذا الشأن ، تهم عدة قرى ومدن مغربية ؛ تقف وراءها ؛ بالدرجة الأولى ؛ نفايات المعامل والمصانع ، وبدرجة أقل سوء معالجة المياه الشروبة Drinkable Water ، وأعطاب تصيب قنواتها فتظل مكشوفة ومعرضة لرمي القاذورات والفضلات الصلبة .

كما أن هناك العديد من السكان مهددين دوما بكثير من الأمراض كالدفتيريا/الخناق ، والكوليرا Diphtheria ; Cholera جراء إقبالهم على شرب مياه ملوثة في القرى وبعض المدن .

أما تلوث المكان فيكفي ملاحظة كارثة الباعة المتجولين/الفراشا ، والتي تحول شوارع وأزقة مدننا إلى مطارح للنفايات والفضلات والمتلاشيات ، هذا عدا الاختناقات التي تعرفها الطرق من جراء تكدس السيارات والعربات والناقلات ، وتصاعد هديرها مصحوبا بتعالي أصوات الأبواق والمنبهات .
.

أزمة النفايات وعلاجها

ينتج المغرب سنويا ؛ حسب وزارة الطاقة والمعادن .
.
؛ 7 مليون طن من النفايات المنزلية ، أي ما يقدر ب 0,80 كلغ للفرد يوميا ، لكن هذا الرقم دوما مرشح للزيادة بفعل نفايات الفراشا/الباعة المتجولين ، ونفايات المعامل أي بمجموع يقارب 8 مليون طن من النفايات ، بيد أن المشكل ليس في زيادة أو نقصان هذه الأطنان ، بل في طرق معالجتها بشكل لا يسيء إلى البيئة ، كما هو ملحوظ في المطارح النفاياتية المكشوفة والتي تغزو المجالات الحضرية فتتسبب في تلويث الهواء والإساءة إلى قشرة الأرض !
وقد سبق للبنك الدولي ؛ في تقرير له ؛ أن لاحظ أن المغرب لم يتمكن ـ حتى الآن ـ إلا من جمع 70% فقط من النفايات الصلبة في المدن ، وأن نسبة 10% من النفايات هي التي يتم التخلص منها بطرق تحافظ على سلامة البيئة ، هذا مع وجود حوالي 400 مطرح نفايات عشوائية ، وما يقارب 4000 جامع للنفايات ، يشكل الأطفال 50% منهم ؛ يعيشون داخل وحول هذه المطارح المفتوحة .

أخطار حرق النفايات ومضاعفاتها

ما زالت هناك طرق هوجاء للتخلص من النفايات لها تداعيات على الصحة العامة والبيئة ، عادة ما ينجم عنها عناصر الديوكسينات Dioxin التي يتم إطلاقها في الهواء ، فينتهي بها المطاف إلى الترسب على أوراق النباتات الخضراء ، وبالتالي دخولها في السلسلة الغذائية عبر أكلها من قبل الحيوانات الحلوبة مثل الأبقار والأغنام والماعز مما ينتج عنه تخزين الديوكسينات وتراكمها في الأنسجة الدهنية لهذه الحيوانات .
.
والمتضرر هو الإنسان ؛ في المقام الأول ؛ الذي يكون عرضة لخطر الديوكسينات من خلال تناوله للحوم ومنتجات الألبان وخاصة تلك التي تحتوي على نسبة عالية من الدهون .

وحرق النفايات ؛ كما أسلفنا ؛ تنتج عنه مضاعفات أخرى كتلوث الهواء من خلال ترسب جسيمات من هذه المادة الديوكسين داخل الرئتين وتنتهي إلى مشاكل صحية كالربو Asthma ، والتهاب القصبات الهوائية Bronchus .

هناك معامل لإنتاج الإسمنت ؛ تستخدم النفايات الصناعية ، بما في ذلك الإطارات المطاطية لتشغيل أفرانها ، لكن يقع أن هذه الأخيرة لا تتوفر على شروط ومعايير بيئية كدرجة الحرارة التي تتطلبها هذه العملية والتي يقدرها الخبراء في 4500 درجة مئوية .

مقدار ما يتنفس المغاربة من الكلوروفيل Chlorophyll

مادة الكلوروفيل/اليخضور ، تنتجها بالدرجة الأولى المناطق الخضراء داخل المدن وفي ضواحيها كالمنتزهات والبساتين والحدائق العمومية ، ولو أحصيناها لوجدناها لا تتجاوز نسبة 0,0009 غرام لكل 100 مواطن لسبب وجيه هو إغراق مدننا في الإسمنت والحديد .
ونسبة المناطق الخضراء داخلها لا تتجاوز 2% ، وهذا ؛ في حد ذاته ؛ يشكل خطرا على صحة المواطنين داخل المدن ويوصم أهلها بالاختناق وحدة الطبع .
.
.

إجراءات مستعجلة والمغرب مقبل على استضافة قمة المناخ

* تجهيز المصافي التي تحد من الانبعاثات الغازية ؛
* احترام الشروط المتعلقة بنوعية النفايات ومكوناتها الكيميائية والفيزيائية ؛
* إخضاعها لتحاليل قبل وبعد دخولها التراب الوطني ؛
* عملية حرق النفايات يجب أن تتم تحت إشراف الشرطة البيئية ، والمختبر الوطني للبيئة ؛
* الحرص على مطابقة الانبعاثات الغازية للمعايير والمقاييس المنصوص عليها في القانون 13-03 المتعلق بمكافحة تلوث
الهواء ، ونصوصه التطبيقية ، لتفادي الآثار المحتملة على صحة الإنسان والبيئة بشكل عام ؛
* تطهير دوري ودائم لقنوات الصرف الصحي بمواد مبيدة للفضلات العالقة ، اتقاء لروائح خنزية كريهة ؛
* تفعيل عقوبات في حق كل المعامل والمصانع التي لا تتوفر فيها معايير البيئة السليمة ؛
* إعادة تجهيز المعامل والمصانع بأفران الوقود البديل RAD وفقا لمعايير دولية ، وليست خاضعة لمزاج أربابها ؛
* إعادة تجهيز مكاتب معالجة المياه الشروبة بأجهزة حديثة تحافظ على صحة المواطن ؛
* إعادة النظر في متوسط مقدار الرصاص في الماء الشروب بألا يتعدى 10 ميكروغرام في اللتر الواحد ؛
* وجوب النظر في المنطقة الخضراء في كل مشروع حضري ضمن سياسة المدينة ؛
* تقديم المغرب لتجربة تشجير المناطق الجغرافية المهددة بالتصحر .

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد