هبة زووم – الرباط
في مذكرتها الفصلية الأخيرة حول وضعية سوق الشغل، كشفت المندوبية السامية للتخطيط عن تراجع طفيف في معدل البطالة، الذي بلغ 12,8% خلال الفصل الثاني من سنة 2025، منخفضًا بـ 0,3 نقطة مقارنة بنفس الفترة من السنة الماضية.
غير أن ما يبدو للوهلة الأولى تطورًا إيجابيًا، سرعان ما يُقابله تصاعد مثير في مؤشرات الشغل الناقص، التي تقوض فكرة التحسن وتعيد طرح سؤال جودة مناصب الشغل، لا كميتها فقط.
وفقًا للبيانات الرسمية، انخفض عدد العاطلين على المستوى الوطني بـ38 ألف شخص، منتقلاً من 1.633.000 إلى 1.595.000 عاطل، أي بانخفاض قدره 2%.
وشمل هذا التراجع كلاً من الوسط الحضري (-5.000) والقروي (-33.000)، وهو ما يعكس تحسناً نسبياً في إحداث فرص الشغل خارج المدن، وإن كان محدود التأثير بالنظر إلى ضخامة التفاوتات بين الفئتين.
لكن المفارقة التي تبرز من قلب هذه الأرقام، تتمثل في الارتفاع الحاد لمعدل بطالة النساء، الذي بلغ 19,9% (+2,2 نقطة)، مقابل انخفاض لدى الرجال إلى 10,8% (-0,9 نقطة). ما يكشف عن هشاشة المقاربة الوطنية في إدماج النساء في سوق العمل بشكل منصف.
وفي قراءة دقيقة للفئات العمرية، سُجّل ارتفاع البطالة لدى الفئة ما بين 25 و34 سنة إلى 21,9%، مقابل تراجعها في باقي الفئات، خصوصًا ما بين 45 سنة فما فوق، حيث وصلت إلى 3,3%. وهو ما يكرّس استمرار أزمة بطالة الخريجين والشباب، الفئة الأكثر قابلية للعطاء والإبداع.
على الضفة الأخرى من سوق الشغل، يتفاقم مشكل “الشغل الناقص”، وهو شكل من التشغيل الذي لا يضمن دخلاً كافياً أو لا يتناسب مع المؤهلات، أو لا يوفر ساعات عمل كاملة.
في هذا الصدد، ارتفع عدد النشيطين في وضعية الشغل الناقص من 1.042.000 إلى 1.147.000 شخص، أي بزيادة فاقت 100 ألف شخص، ما يمثل 10,6% من مجموع النشيطين، مقارنة بـ 9,6% السنة الماضية.
وسُجل ارتفاع في كل من الشغل الناقص المرتبط بساعات العمل (من 583 ألف إلى 602 ألف)، وأيضًا ذلك المرتبط بالدخل غير الكافي أو عدم ملاءمة المؤهلات (من 459 ألف إلى 545 ألف).
هذا التفاقم يفضح ضعف البنيات الاقتصادية المنتجة لمناصب شغل لائقة، ويطرح إشكاليات الهشاشة المهنية والبطالة المقنّعة، التي تُظهر أن جزءًا كبيرًا من المغاربة يشتغلون في ظروف لا تضمن لهم الاستقرار ولا الكرامة المهنية.
سجّلت القطاعات الاقتصادية الأربعة الرئيسية ارتفاعًا في معدلات الشغل الناقص، على رأسها قطاع البناء والأشغال العمومية (+3,3 نقطة)، متبوعًا بالصناعة (+1,7 نقطة)، والفلاحة (+0,5 نقطة)، ثم الخدمات (+0,4 نقطة).
هذه المعطيات تؤكد أن القطاعات المنتجة للشغل اليوم لا تواكب معايير الجودة والتأهيل، ولا تدمج الحاصلين على الشهادات بالشكل المطلوب، رغم أن معدل بطالة هذه الفئة تراجع من 19,4% إلى 19%.
وتبقى أبرز المكاسب المسجلة في صفوف الحاصلين على شهادات التأهيل المهني (-2,4 نقطة) والثانوي التأهيلي (-1 نقطة)، ما يبرز أهمية التكوين المهني كرافعة، وإن كان غير كافٍ وحده لتحسين المؤشرات الوطنية.
جهويًا، تُظهر الأرقام استمرار التمركز الجغرافي للبطالة في خمس جهات فقط، على رأسها الدار البيضاء-سطات (25,5%) وفاس-مكناس (14,8%).
وتصل أعلى نسب البطالة إلى 25,7% بجهات الجنوب، و21,1% بجهة الشرق، بينما تسجل أدناها في درعة-تافيلالت (6,4%) ومراكش-آسفي (7,5%).
وتتجاوز أربع جهات فقط المعدل الوطني لنسبة النشاط (43,4%)، على رأسها طنجة-تطوان-الحسيمة (47,9%)، بينما تراجعت جهة بني ملال-خنيفرة إلى 39,7%، ما يعكس تباينات صارخة في فرص العمل والتنمية.
يبدو من خلال أرقام المندوبية أن تحسن معدل البطالة لا يعكس بالضرورة تحسنًا في أوضاع الشغل. فارتفاع الشغل الناقص وانتشاره في مختلف الفئات والقطاعات يطرح تحديًا حقيقياً للحكومة: كيف ننتقل من مجرد خفض عدد العاطلين، إلى ضمان شغل لائق، مستقر، منتج، وملائم لمؤهلات المواطنين؟
الجواب على هذا السؤال يتطلب رؤية اقتصادية شاملة، واستثمارًا فعّالاً في القطاعات ذات القيمة المضافة، وتوجيه التكوين نحو حاجيات السوق، وتفعيل الجهوية الاقتصادية بشكل عادل.
وإلا فإن سوق الشغل المغربي سيبقى حبيس أرقام متأرجحة بين تراجع “البطالة” وارتفاع “الهشاشة”، في مفارقة تُفرغ المؤشرات من مضمونها الحقيقي.
تعليقات الزوار