التعليم يدخل مسلسل “الأزمة الدائمة”

حسون عبدالعالي
التعليم في المغرب ليس مجرد قطاع اجتماعي كباقي القطاعات، بل هو العمود الفقري لأي مشروع تنموي. لكن منذ عقود، يعيش المغاربة على وقع مفارقة صارخة، كل إصلاح يُعلن عنه يُسوّق كمنعرج حاسم، لكن بعد سنوات يتضح أنه لم يكن سوى محطة إضافية في مسلسل ” الأزمة الدائمة”.
المدرسة العمومية لم تعد أداة للترقي الاجتماعي كما في عقود سابقة. اليوم، أبناء الأسر الغنية أو الميسورة يدرسون في مؤسسات خصوصية أو في الخارج، بينما أبناء الفقراء محكومون بمدرسة عمومية ضعيفة .الأزمة في التعليم تعني بالضرورة إنتاج جيل أقل تكوينًا، مما يضعف تنافسية المغرب في سوق عالمي قائم على المعرفة. تراجع صورة المدرسة العمومية جعل الأسر تفقد الثقة في جدواها، وهذا أخطر من أي مؤشر مادي.
التعليم في المغرب ليس مجرد ملف اجتماعي متعثر، بل هو مرآة لخيارات الدولة في توزيع الثروة والسلطة. فإذا كانت المدرسة العمومية قوية، فهي تصنع مجتمعًا متوازنًا ومتماسكًا. وإذا ظلت ضعيفة، فهي تكرّس الهشاشة وتعمّق الفوارق، وتجعل كل مشروع تنموي مجرد شعار.
أرقام غير رسمية تشير إلى أقسام تضم أكثر من 50 تلميذًا في مناطق حضرية، وأكثر من 40 في القرى. هذا يجعل عملية التتبع الفردي شبه مستحيلة.
مدارس غير مؤهلة، حجرات بدون ماء أو كهرباء في بعض المناطق القروية، غياب مرافق صحية لائقة، مما يضعف صورة المدرسة العمومية في مخيال المجتمع .آلاف الأطفال ينقطعون سنويًا عن الدراسة، خاصة الفتيات في القرى، بسبب الفقر أو بُعد المؤسسات التعليمية.
نظام تعليمي يتأرجح بين العربية والفرنسية والإنجليزية، في ظل غياب رؤية لغوية واضحة. النتيجة تلميذ يخرج من المدرسة بمهارات لغوية هشة لا تواكب سوق الشغل .
يتحدث الكثيرون عن الإصلاحات والخطط والبرامج التي تُطرح على قطاع التعليم في بلادنا، لكنها في الغالب تظل على الورق أو في صيغ استعراضية لا تخدم الواقع الفعلي داخل الأقسام ولا تراعي احتياجات الأساتذة ولا المتعلمين. هذه الخطط، رغم كثرة الميزانيات المصروفة على إعدادها وتسويقها إعلاميًا، غالبًا ما تصطدم بالواقع المدرسي، وتترك فراغًا كبيرًا بين النظرية والتطبيق.
كثير من البرامج التعليمية تُقدّم على أنها ثورة في التعليم، مليئة بالمصطلحات الجديدة والأهداف الكبرى، لكنها تفتقر إلى عمق الفهم لطبيعة المدرسة المغربية.
حيث نجد أن هذه الخطط غالبًا تُركز على الشكل أكثر من الجوهر، أي على المؤتمرات، الكتب الإرشادية، العناوين الكبرى، بينما تظل التجربة الصفية على حالها.
تتجاهل اختلاف مستويات التلاميذ، فتُفرض مناهج موحدة لا تراعي الفروق الفردية، ما يجعل بعض المتعلمين يتخلفون عن الركب.
لا تراعي ظروف الأستاذ اليومية، مثل كثافة الفصول، نقص الموارد، ضعف التكوين المستمر، وضغط المهام الإدارية، فتتحول البرامج إلى أعباء إضافية بدل أن تكون أدوات مساعدة.
وفي النهاية، السؤال الذي يطرح نفسه، كيف وصلنا إلى هذه النقطة؟ كيف أصبح بعض من يفترض بهم أن يكونوا مربين مجرد أدوات لإفساد الجو التربوي وتحويله إلى ساحة معركة مليئة بالمؤامرات والدسائس؟ وهل هناك أمل في أن نرى يومًا ما قادة حقيقيين في هذا القطاع، أم أننا محكومون بأن نعيش وسط هذه الفوضى المستمرة؟
الإجابة، للأسف، ليست بيدنا، بل بيد أولئك الذين يملكون زمام الأمور، لكن طالما أن “المسرحية” مستمرة، فلا شيء سيتغير سوى أسماء الممثلين.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد