هبة زووم – محمد خطاري
بدأت أروقة الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، النقابة العريقة المنضوية تحت لواء حزب الاستقلال، تشهد زلزالا تنظيميا غير مسبوق، بعد تداول أنباء عن رسالة نارية وجهها عدد من أعضاء المكتب التنفيذي للكاتب العام النعم ميارة، في خطوة وصفها مراقبون بأنها قد تكون بداية العد العكسي للإطاحة به من قيادة النقابة.
السؤال الذي يتردد بقوة في الكواليس النقابية لم يعد مجرد همس، بل تحول إلى نقاش مفتوح حول ما إذا كانت هذه الرسالة تمثل مجرد احتجاج ظرفي، أم أنها مقدمة لانقلاب داخلي يعيد إنتاج سيناريو “فندق ظهير” الذي أطاح سابقاً بحميد شباط بنفس اليد التي تقود اليوم.
وتفصيل الخلاف، حسب ما ورد في رسالة الأعضاء، يعود إلى ما وصفوه باتخاذ ميارة لقرارات “انفرادية” بعيداً عن روح التشاور مع المكتب التنفيذي، وهو ما تجلى بوضوح في تنظيم ذكرى تأسيس الاتحاد العام، حيث تم حضور وإشراف أشخاص سبق لهم توجيه اتهامات خطيرة للقيادة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تتعلق ببيع مقرات النقابة وتبديد أموالها.
وقد رد الأعضاء على هذا الاستفزاز المقصود، بحسب تعبيرهم، بمقاطعة الاحتفال، لكن المفاجأة كانت في رد الفعل القيادي الذي لم يستفسر عن أسباب الغياب، بل تمادى في “تبخيس أدوار المكتب التنفيذي”، في خرق صريح للضوابط التنظيمية ومساس بمبدأ التدبير الجماعي الذي تم التعاقد عليه خلال المؤتمر الوطني الأخير.
ولم تتوقف عند حدود الخلاف الإداري، بل امتدت الرسالة لتفتح ملفاً شائكاً يتعلق بالمصداقية المالية والأخلاقية للنقابة، حيث طالب الموقعون بكشف الحقيقة الكاملة بخصوص الاتهامات المتعلقة بتبديد الأموال وبيع المقرات، والتي تم إطلاقها دون عرضها على أنظار المجلس العام، الهيئة التقريرية العليا.
كما طالبوا بتقييم الأحداث التي شهدها مؤتمر الجماعات الترابية، وما رافقها من إساءات طالت قيادة الاتحاد، مطالبين في الوقت ذاته بصون سمعة المنظمة عبر تبرئة أعضاء المكتب التنفيذي من اتهامات السكوت عن تجاوزات مالية وتدبيرية لا علم لهم بها، خاصة أن قرارات التدبير المالي وبعض المواقف المصيرية لا تعرض لا على المكتب التنفيذي ولا على المجلس العام.
وفي خضم هذا التجاذب، رفع الأعضاء مطلباً عاجلاً يدعو الكاتب العام إلى عقد دورة استثنائية للمجلس العام قبل دورة أبريل التنظيمية، للتداول في ثلاث نقاط جوهرية: توضيح خلفيات الترتيب الفردي للاحتفال، وكشف الحقيقة بخصوص الاتهامات المالية، وصون سمعة الاتحاد عبر اعتماد الشفافية والوضوح بدلاً من منطق الغاية تبرر الوسيلة أو منطق الترضيات والرضوخ للابتزاز.
ويرى الموقعون أن صيانة مصداقية الاتحاد العام وتثمين موروثه النضالي التاريخي تقتضي حتماً ربط المسؤولية بالمحاسبة وتكريس مبدأ الاستحقاق الفعلي، بعيداً عن الممارسات الفردية التي تهدد وحدة الصف النقابي.
والآن، ومع تصاعد حدة التوتر، يعود السؤال التاريخي ليفرض نفسه بقوة: هل نحن أمام مقدمة للإطاحة بميارة، وهل سيتكرر سيناريو مؤتمر فندق ظهير بالرباط الذي قاده بنفسه للإطاحة بحميد شباط من قيادة النقابة؟ إن ما يعيشه الاتحاد العام للشغالين اليوم ليس مجرد خلاف عابر بين قيادات، بل هو اختبار وجودي لمصداقية الديمقراطية الداخلية وقدرة القيادة على تجاوز منطق الفردية لخدمة المصلحة العامة.
فالمناضلون ينتظرون إجابات شافية، والوحدة النقابية ليست شعاراً يرفع في الاحتفالات، والمصداقية ليست خياراً ثانوياً، والاتحاد العريق يستحق قيادة تُكرن كرامة مناضليه بشفافية حقيقية لا بصراعات تُعيد إنتاج الماضي بأوجاعه.
تعليقات الزوار