هبة زووم – الرباط
لم تكن التصريحات التي أطلقها عبد اللطيف وهبي مجرد رأي عابر في نقاش أكاديمي، بل بدت أقرب إلى هجوم مباشر على مؤسسة دستورية يفترض أن تكون فوق التجاذبات السياسية.
فحين يصف وزير العدل قضاة المحكمة الدستورية بعبارات ساخرة، ويشكك في أدوارهم، فإن الأمر يتجاوز حدود النقد المشروع إلى محاولة واضحة للنيل من هيبة مؤسسة وُجدت أساساً لضبط التوازن بين السلط.
ما أغفله وهبي، أو تجاهله عمداً، هو أن المحكمة الدستورية ليست امتداداً للسلطة التنفيذية، ولا غرفة تسجيل لقرارات الحكومة، بل هي آلية دستورية مستقلة تضطلع بمهمة أساسية: حماية سمو الدستور، حتى في مواجهة القوانين التي تأتي بها الحكومة نفسها.
يبدو أن خلفية هذا الهجوم لا تنفصل عن سلسلة من القوانين التي سقطت في اختبار الدستورية، وهو ما وضع الوزير في موقع حرج سياسياً وتشريعياً.
غير أن تحويل هذا الإحراج إلى مواجهة مفتوحة مع المحكمة يطرح أكثر من علامة استفهام حول فهم حدود السلطة، وحول قدرة المسؤولين على تقبل الرقابة الدستورية باعتبارها جزءاً من قواعد اللعبة الديمقراطية، لا عقبة في طريقها.
إن وصف قضاة المحكمة بأنهم يحتكرون سلطة القرار أو أنهم يتصرفون بمنطق فوقي، يتجاهل حقيقة أن اختصاصاتهم محددة بدقة في دستور 2011، الذي منحهم سلطة البت النهائي في دستورية القوانين، وجعل قراراتهم ملزمة وغير قابلة للطعن، حمايةً لاستقرار النظام القانوني.
الأخطر في هذا الخطاب أنه قد يُفهم كرسالة سياسية مفادها أن كل مؤسسة لا تساير إرادة الحكومة تصبح هدفاً للتشكيك، وهو منطق يهدد توازن السلط، ويفتح الباب أمام إضعاف مؤسسات الضبط والمراقبة، التي تُعد صمام أمان لأي نظام ديمقراطي.
فالمحكمة الدستورية، في جوهرها، ليست خصماً للحكومة، بل حكمٌ بين السلط، ووظيفتها الأساسية هي ضمان احترام القواعد العليا، لا مجاراة التوجهات السياسية، مهما كانت قوتها أو شعبيتها.
ما صدر عن عبد اللطيف وهبي لا يمكن فصله عن سياق توتر بين الحكومة والمحكمة الدستورية، لكنه يظل، في نظر العديد من المتابعين، تجاوزاً غير محسوب لحدود النقد المؤسساتي.
ففي دولة المؤسسات، لا تُقاس قوة المسؤول بقدرته على مهاجمة الهيئات الدستورية، بل بقدرته على احترامها، حتى عندما تعاكس قراراتها حساباته السياسية.
تعليقات الزوار