هبة زووم – الرباط
عاد الباحث في الشؤون الإسلامية الدكتور إدريس الكنبوري ليفجر موجة جديدة من الجدل، عبر تدوينة نارية تناول فيها ما بات يعرف بتسريبات “جبروت”، التي كشفت، بحسب تعبيره، معطيات صادمة حول الفساد والامتيازات والثراء غير المفهوم لبعض النافذين، في وقت تواصل فيه المؤسسات الرسمية التزام صمت مطبق يثير الكثير من علامات الاستفهام.
الكنبوري، الذي دأب خلال الأشهر الأخيرة على توجيه انتقادات لاذعة لبنية التدبير السياسي والإداري بالمغرب، اعتبر أن أخطر ما في هذه التسريبات ليس فقط مضمون الوثائق المسرّبة، بل غياب أي تفاعل رسمي حقيقي معها، رغم ما تتضمنه من معطيات خطيرة وأسماء وتوقيعات وأختام رسمية، قائلاً إن “الدولة لا يمكن أن تحاسب الدولة”، في إشارة إلى ما وصفه بحالة الحصانة غير المعلنة التي يتمتع بها بعض المسؤولين والنافذين.
ويرى الكنبوري أن استمرار الصمت الرسمي منذ ظهور أولى هذه التسريبات قبل نحو عامين، دون فتح تحقيقات واضحة أو ترتيب للمسؤوليات، يعكس أزمة عميقة في منطق الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، مضيفاً أن ما تكشفه هذه الوثائق يوحي بأن هناك من “حوّل المغرب إلى ضيعة خاصة”، تُستغل فيها السلطة والنفوذ لتحقيق الثروة والامتيازات بعيداً عن أي مراقبة فعلية.
ولم يخف الباحث المغربي استغرابه من “اللامبالاة السياسية” التي تطبع تعاطي الأحزاب مع هذه الملفات، معتبراً أن عدداً منها أصبح عاجزاً عن لعب دوره الرقابي والتأطيري، إما بسبب الارتهان للمصالح أو اختراق شبكات النفوذ، وهو ما يفسر، حسب رأيه، اتساع دائرة العزوف السياسي وفقدان الثقة في المؤسسات المنتخبة.
وفي واحدة من أكثر فقرات تدوينته إثارة، ربط الكنبوري بين التسريبات الأخيرة المرتبطة بالصحراء المغربية، وبين سؤال الثروة والعدالة المجالية، متسائلاً بحدة: كيف يُطلب من المغاربة الاستمرار في تحمل كلفة الدفاع عن الوحدة الترابية، بينما تُتهم جهات نافذة بتحويل خيرات الأقاليم الجنوبية إلى مجال للاغتناء والاستفادة الخاصة؟
كما وجه انتقاداً مباشراً لمفهوم “النافذين”، معتبراً أن مجرد تداول هذا الوصف داخل دولة يفترض أنها تقوم على سمو الدستور والقانون يشكل اعترافاً ضمنياً بوجود فئة فوق المحاسبة وفوق المؤسسات، قائلاً إن النفوذ الحقيقي في أي دولة حديثة يجب أن يكون للدستور لا للأشخاص أو شبكات المصالح.
الكنبوري أعاد أيضاً إحياء السؤال الشهير الذي سبق أن طرحه الملك محمد السادس: “أين الثروة؟”، معتبراً أن تسريبات “جبروت” تبدو وكأنها “الإجابة السرية” عن هذا السؤال، لأنها تكشف، بحسب تعبيره، كيف يتم توزيع الثروة والامتيازات داخل دوائر ضيقة، بينما تتفاقم الأزمات الاجتماعية وتتسع الهوة بين المواطنين والدولة.
وتابع الباحث أن أخطر ما قد يترتب عن هذا الوضع هو ترسيخ شعور عام لدى فئات واسعة من المجتمع بأن القانون لا يُطبق على الجميع، وأن المحاسبة تستهدف فقط الضعفاء وصغار الموظفين، في حين يفلت أصحاب النفوذ من أي مساءلة، وهو ما يهدد ما تبقى من الثقة في العمل السياسي والمؤسساتي.
وفي ختام تدوينته، طرح الكنبوري سلسلة أسئلة وصفها متابعون بأنها “محرجة” للمشهد السياسي، من قبيل: ما جدوى الانتخابات إذا كانت شبكات النفوذ هي المتحكمة فعلياً في القرار والثروة؟ وما دور الأحزاب والحكومات إذا ظلت عاجزة عن مواجهة الفساد؟ ولماذا لا تتحول الانتهازية إلى “سلوك عادي” داخل المجتمع، إذا كان المواطن يرى بأم عينه أن من ينهب المال العام لا يُحاسب؟
تصريحات الكنبوري أعادت النقاش بقوة حول أزمة الثقة التي يعيشها المغرب سياسياً ومؤسساتياً، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، في وقت تتزايد فيه المطالب الشعبية بربط المسؤولية بالمحاسبة، وتفعيل آليات الرقابة، وإنهاء منطق الإفلات من العقاب الذي يعتبره كثيرون أحد أبرز معوقات بناء دولة المؤسسات والقانون.
تعليقات الزوار