من جواد غريب إلى شبكة الأقارب.. خريطة “الغنيمة السياسية” التي تهدد الديمقراطية المحلية بالغرب المنسي

هبة زووم – القنيطرة
لم تعد مظاهر “الغنيمة السياسية” في المغرب مجرد انطباعات عابرة أو اتهامات متبادلة بين الخصوم، بل تحولت إلى واقع يثير غضباً متزايداً داخل الرأي العام، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقبلة، حيث يعود النقاش بقوة حول تمدد “العائلات السياسية” وتحول عدد من المؤسسات المنتخبة إلى فضاءات مغلقة تتوارث فيها المناصب والامتيازات والنفوذ.
وفي خضم هذا الجدل، فجّر الفاعل المدني والصحفي بلعيد كروم موجة واسعة من التفاعل، بعدما نشر تدوينة ساخرة لكنها شديدة الدلالة، سلط فيها الضوء على نموذج صارخ لما بات يوصف بـ”الاحتكار العائلي للسياسة”، من خلال حديثه عن تشابك المسؤوليات والمناصب داخل أسرة واحدة بإقليم القنيطرة.
وكتب كروم بأسلوب ساخر: “معرفتش علاش كيبكي جواد غريب رئيس المجلس الإقليمي للقنيطرة ولي مرتو سمية الضيف كترأس مجلس جماعة سوق أربعاء الغرب وولدو هو البرلماني محمد غريب رئيس جماعة سيدي محمد احمر.. وزوج بنتو هو نائب مرتو فمجلس سوق أربعاء الغرب.. وبنتو شيماء هي عضو بالمجلس الإقليمي لي هو رئيس ديالو.. وبنتو خديجة هي النائبة ديالو بالمجلس الإقليمي وعضو بمجلس جماعة سيدي محمد لحمر لي كيترأسها الشقيق ديالها البرلماني محمد غريب… ربي معاه مسكين… ربما قواو عليه المناصب!!!”.
ورغم الطابع الساخر للتدوينة، إلا أنها أعادت إلى الواجهة سؤالاً مؤرقاً يتعلق بمستقبل العمل السياسي بالمغرب: هل ما تزال المؤسسات المنتخبة فضاءات للتنافس الديمقراطي وتكافؤ الفرص، أم أنها أصبحت مجرد “إقطاعيات انتخابية” تتحكم فيها شبكات القرابة والمصالح العائلية؟
إن أخطر ما في هذا المشهد ليس فقط تراكم المناصب داخل أسرة واحدة، بل الرسالة السلبية التي تُبعث إلى الشباب والكفاءات والمواطنين البسطاء، حين يصبح الولوج إلى السياسة مشروطاً بالانتماء العائلي لا بالكفاءة أو المشروع المجتمعي أو الشرعية الشعبية الحقيقية.
لقد تحولت بعض الجماعات والمؤسسات المنتخبة في عدد من المناطق إلى ما يشبه “المقاولات العائلية”، حيث يتم توزيع الأدوار بين الأبناء والأصهار والزوجات والأقارب، في مشهد يفرغ الديمقراطية من مضمونها، ويجعل الانتخابات مجرد آلية لإعادة إنتاج نفس الوجوه ونفس الشبكات التي تستفيد من النفوذ والسلطة.
والمفارقة أن هذا التمدد العائلي تزامن مع مرحلة سياسية رفعت فيها شعارات الكفاءة وربط المسؤولية بالمحاسبة ومحاربة الريع، غير أن الواقع كشف، في حالات عديدة، عن صعود نمط جديد من “الريع السياسي”، قوامه احتكار التمثيلية الانتخابية داخل دوائر مغلقة يصعب اختراقها.
إن استمرار هذا الوضع يهدد بتوسيع فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسات، خصوصاً في ظل تصاعد العزوف السياسي وفقدان الأمل لدى فئات واسعة من الشباب، الذين باتوا يرون أن السياسة لم تعد مجالاً للتغيير، بل لعبة مغلقة تتحكم فيها العائلات النافذة والتحالفات الانتخابية والمال والنفوذ.
فالديمقراطية لا يمكن أن تستقيم في ظل احتكار القرار المحلي والتمثيلية السياسية من طرف نفس الأسماء والعائلات لعقود، لأن التداول الحقيقي لا يعني فقط تغيير الأحزاب، بل أيضاً فتح المجال أمام نخب جديدة قادرة على إعادة الاعتبار للعمل السياسي وربطه بخدمة المواطنين لا بخدمة الإرث العائلي والمصالح الضيقة.
واليوم، ومع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، يعود السؤال بقوة: هل ستنجح الدولة والأحزاب في كسر منطق “توريث السياسة” وفتح المجال أمام تنافس حقيقي؟ أم أن المغرب سيواصل الدوران داخل نفس الحلقة، حيث تتغير الشعارات بينما تبقى السلطة موزعة داخل نفس العائلات والدوائر المغلقة؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد