هبة زووم – الرباط
في تدوينة جديدة تحمل الكثير من الحدة والمرارة، عاد الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي ليفتح النار على واقع الفساد والريع بالمغرب، منتقداً ما وصفه بتغول “الفراقشية” وغياب الإرادة الحقيقية لتنزيل الإصلاحات الكبرى التي جرى التوافق حولها في البلاد.
اليحياوي، الذي بات اسمه مرتبطاً بسلسلة من التدوينات النقدية الصادمة، اختار هذه المرة الرد على الأصوات المتشائمة التي تسائل جدوى النقد والتشخيص في ظل استمرار الاختلالات نفسها، مؤكداً أن “التشخيص ليس ترفاً فكرياً ولا بكاءً مجانياً على الواقع، بل هو المدخل الطبيعي لفهم الأزمة واستخلاص الحلول”.
وقال الباحث الجامعي إن كثيرا من التعليقات التي تصادفه على منصات التواصل الاجتماعي لم تعد تكتفي بوصف الواقع، بل باتت تطالب بإجابات واضحة حول سبل الخروج من “دوامة الفساد والريع والإفلات من العقاب”، معتبراً أن مجرد فضح الأعطاب القائمة يمثل خطوة ضرورية نحو التغيير، لأن “الكلام الصادق يصل حتماً إلى دوائر القرار، حتى وإن كان مزعجاً أو غير مرغوب فيه”.
وفي واحدة من أقوى إشاراته السياسية، اعتبر اليحياوي أن المغرب يعيش حالة ارتباك حقيقي في ما يتعلق بخياراته الكبرى، مستدلاً بما آل إليه مصير توصيات النموذج التنموي الجديد، الذي حظي – بحسب تعبيره – بإجماع واسع واعتماد رسمي على أعلى مستوى، قبل أن يتم “وضعه جانباً والسير في اتجاه آخر تماماً”.
ويرى المتحدث أن تعطيل تلك التوصيات ساهم بشكل مباشر في تمدد اقتصاد الريع وتكاثر “الفراقشية” داخل قطاعات متعددة، إلى درجة تحول معها المواطن إلى “رهينة” لمجموعات تستفيد من غياب الرقابة وضعف المنافسة واحتكار الأسواق.
ولم يُخفِ اليحياوي قناعته بأن مظاهر النمو التي تتحدث عنها بعض التقارير الرسمية لم تنعكس على الحياة اليومية للمغاربة، موضحاً أن الفرق بين “النمو” و”التنمية” أصبح صارخاً، حيث قد تتحسن بعض المؤشرات الاقتصادية على الورق، بينما تستمر الأوضاع الاجتماعية في التدهور على أرض الواقع.
وأضاف أن المواطن البسيط لا يقيس السياسات العمومية بالأرقام والخطب، بل بما يلمسه في معيشه اليومي، من قدرة على الشغل والعيش الكريم والولوج إلى الخدمات الأساسية، معتبراً أن الإحساس العام السائد اليوم هو أن “الناس تعاين تردياً صارخاً في وضعية الحال والمآل”.
وتحمل تدوينة اليحياوي في عمقها انتقاداً مباشراً لطريقة تدبير الملفات الاقتصادية والاجتماعية، حيث يلمح إلى وجود فجوة واسعة بين الخطاب الرسمي الذي يروج للإصلاحات والواقع الذي يزداد فيه الاحتقان الاجتماعي والشعور بفقدان الثقة.
كما تعكس التدوينة استمرار خطاب أكاديمي ناقد يرى أن الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بوجود الفساد، بل بتحوله إلى بنية قائمة ومتشعبة، تستفيد من غياب المحاسبة ومن تعطيل آليات الإصلاح الحقيقي، في وقت تتزايد فيه الفوارق الاجتماعية وتتسع دائرة الإحباط.
وبين تشخيص الأعطاب والدعوة الضمنية إلى مراجعة الخيارات الكبرى، يواصل يحيى اليحياوي تقديم قراءاته الحادة للمشهد المغربي، واضعاً أصبعه على أسئلة تعتبر اليوم من أكثر الأسئلة إزعاجاً داخل النقاش العمومي: لماذا تتعثر مشاريع الإصلاح؟ ولماذا لا يشعر المواطن بأثر السياسات المعلنة؟ وهل تحولت التنمية إلى مجرد شعار في بلد تتكاثر فيه “الفراقشية” أكثر من تكاثر فرص العدالة الاجتماعية؟
تعليقات الزوار