هبة زووم – الرباط
لم يكن المشهد الذي شهدته لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات بمجلس النواب حدثاً عادياً يمكن المرور عليه مرور الكرام، بل شكل مؤشراً مقلقاً على أزمة حقيقية تمس جوهر العمل البرلماني.
فحضور سبعة نواب فقط لمناقشة مشروع قانون مهم بحضور وزير العدل عبد اللطيف وهبي يطرح أسئلة جدية حول مدى التزام بعض ممثلي الأمة بواجباتهم الدستورية والتشريعية.
إن صناعة القوانين ليست عملاً ثانوياً أو نشاطاً بروتوكولياً يمكن التغيب عنه دون أثر، بل هي من صميم الوظيفة التي انتخب المواطنون النواب من أجلها.
وعندما تصبح مقاعد لجنة تشريعية أساسية شبه فارغة أثناء مناقشة نصوص قانونية تمس الحقوق العينية والالتزامات والعقود والملكية المشتركة والإيجار المفضي إلى التملك، فإن الأمر يتجاوز مجرد الغياب الفردي ليعكس خللاً في ثقافة تحمل المسؤولية.
الأكثر إثارة للانتباه أن رئيس اللجنة وجد نفسه، وفق ما تم تداوله، في موقف يدعو إلى الاستغراب عندما اضطر إلى مطالبة إحدى النائبات بالتدخل والمساهمة في النقاش، ولو على سبيل الدعابة، من أجل إثراء تقرير الاجتماع. وهي صورة لا تليق بمؤسسة يفترض أن تكون فضاءً للنقاش الجاد وصناعة السياسات العمومية، لا مكاناً يبحث فيه المسؤول عن متدخلين لسد الفراغ.
هذا الواقع يطرح بإلحاح سؤالاً مشروعاً: كيف يمكن للمواطن أن يثق في جودة النصوص القانونية إذا كان عدد محدود من النواب هو من يناقشها، بينما يغيب الباقون عن واحدة من أهم مهامهم الدستورية؟ فالتشريع الرصين يحتاج إلى تعدد الآراء، وإلى نقاش معمق، وإلى حضور يعكس تنوع الحساسيات السياسية والجهوية، لا إلى قاعة شبه فارغة.
كما أن تكرار مثل هذه المشاهد يساهم في تعميق الفجوة بين المواطن والمؤسسة التشريعية، ويغذي الانطباع بأن بعض المنتخبين ينشطون خلال الحملات الانتخابية أكثر مما ينشطون داخل اللجان البرلمانية التي تصنع القوانين وتراقب العمل الحكومي.
ولا يتعلق الأمر بتوجيه الاتهام إلى جهة سياسية بعينها، بل بطرح إشكالية أوسع ترتبط بثقافة الانضباط البرلماني وآليات تقييم أداء النواب، فالناخب من حقه أن يعرف مدى حضور ممثله، ومشاركته في المناقشات، وإسهامه في تعديل مشاريع القوانين والدفاع عن قضايا دائرته الانتخابية.
إن صورة البرلمان لا تُقاس فقط بعدد الجلسات العامة أو الخطب الرنانة، بل تُبنى أيضاً داخل اللجان الدائمة، حيث تُصاغ النصوص القانونية وتُناقش تفاصيلها.
وإذا استمر شبح الغياب في ملاحقة هذه الفضاءات، فإن الرهان على مؤسسة تشريعية قوية وفاعلة سيظل رهيناً بإصلاحات تعزز ثقافة المسؤولية والمحاسبة، وتجعل من الحضور والمشاركة الفعلية معياراً أساسياً لتقييم الأداء النيابي، لا مجرد الصفة التي يمنحها الفوز في صناديق الاقتراع.
تعليقات الزوار