هبة زووم – الرباط
في وقت كانت فيه الأسر المغربية تترقب انعكاس تراجع أسعار عدد من المواد الأولية في الأسواق الدولية على كلفة المعيشة، عاد حزب التقدم والاشتراكية ليدق ناقوس الخطر بشأن استمرار موجة الغلاء التي تثقل كاهل المواطنين، موجهاً انتقادات حادة للحكومة بسبب ما اعتبره عجزاً واضحاً عن مواجهة المضاربين والمحتكرين ولوبيات التحكم في الأسواق.
فالحزب يرى أن استمرار ارتفاع أسعار المحروقات والمواد الغذائية الأساسية، رغم تحسن المؤشرات الدولية والموسم الفلاحي الجيد الذي عرفته المملكة، يكشف وجود خلل حقيقي في آليات المراقبة والتدخل العمومي، ويؤكد أن الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بالظروف الخارجية، بل أصبحت مرتبطة أساساً بطريقة تدبير الحكومة للملف الاقتصادي والاجتماعي.
وفي بلاغ صادر عقب اجتماع مكتبه السياسي، اعتبر حزب التقدم والاشتراكية أن ملايين الأسر المغربية، خاصة الفئات الهشة والطبقة المتوسطة، أصبحت تدفع ثمن ما وصفه بتراخي الحكومة أمام تجار الأزمات والمضاربين والمستفيدين من اقتصاد الريع، في وقت تواصل فيه القدرة الشرائية للمواطنين التراجع بشكل مقلق.
وتتجلى المفارقة، بحسب الحزب، في أن أسعار اللحوم الحمراء ما تزال مرتفعة رغم الدعم العمومي الذي تم تخصيصه لهذا القطاع، كما أن أسعار الخضر والفواكه لم تعرف الانخفاض المنتظر رغم الموسم المطير الذي كان يفترض أن ينعكس إيجاباً على العرض والأسعار. أما المحروقات، التي تشكل المحرك الرئيسي لأسعار النقل والخدمات والمواد الاستهلاكية، فما تزال بدورها بعيدة عن مستوياتها الحقيقية مقارنة بالتراجع المسجل في الأسواق العالمية.
ويرى متابعون أن هذا الجدل يعيد إلى الواجهة النقاش حول فعالية السياسات الحكومية في حماية المستهلك، خصوصاً في ظل اتهامات متكررة بغياب إجراءات حازمة لمواجهة الاحتكار والمضاربة، وعدم اللجوء إلى حلول ضريبية وجمركية استثنائية للتخفيف من آثار التضخم، كما فعلت عدة دول خلال السنوات الأخيرة.
وفي سياق متصل، لم يُخف حزب التقدم والاشتراكية استياءه من إسقاط مقترحي قانون يتعلقان بتسقيف أسعار المحروقات وتفويت أصول شركة “لاسامير” لفائدة الدولة، معتبراً أن هذا الموقف يعكس استمرار الانحياز لمصالح لوبيات المحروقات على حساب المصلحة العامة والقدرة الشرائية للمواطنين.
وأكد الحزب أن إعادة تشغيل المصفاة الوطنية “لاسامير” أو استرجاعها لفائدة الدولة لا يرتبط فقط بالنقاش الاقتصادي، بل يدخل ضمن رهان الأمن الطاقي والسيادة الوطنية، خاصة في ظل التحولات الدولية المتسارعة وتقلبات الأسواق العالمية.
كما ذكّر بأنه سبق له أن تقدم بمبادرات تشريعية مماثلة داخل مجلس النواب خلال ولايتين تشريعيتين متتاليتين، غير أن الحكومة، حسب تعبيره، ما تزال ترفض فتح نقاش جدي حول هذه المقترحات، رغم ما يمكن أن توفره من آليات لضبط الأسعار وحماية الاقتصاد الوطني.
وتأتي هذه الانتقادات في ظرفية اجتماعية دقيقة، تتزايد فيها شكاوى المواطنين من تآكل القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، وهو ما يجعل ملف الأسعار أحد أبرز الملفات التي قد تهيمن على النقاش السياسي والانتخابي خلال المرحلة المقبلة.
وبينما تؤكد الحكومة أن برامجها الاجتماعية ودعمها المباشر يهدفان إلى حماية الفئات الهشة، ترى أحزاب المعارضة أن الحل الحقيقي لا يكمن فقط في تقديم الدعم، بل في معالجة الأسباب البنيوية للغلاء، ومحاربة الاحتكار والمضاربة، وضمان منافسة حقيقية داخل الأسواق، حتى يشعر المواطن فعلاً بانعكاس التحسن الاقتصادي على حياته اليومية.
تعليقات الزوار