المؤشر باقٍ والإصلاح مؤجل.. لقجع أمام أسئلة محرجة بشأن عدالة الدعم الاجتماعي

هبة زووم – الرباط
في الوقت الذي تنتظر فيه الأسر الهشة قرارات أكثر إنصافاً ووضوحاً بشأن الدعم الاجتماعي المباشر، اختارت الحكومة الإبقاء على نظام المؤشر المعتمد لتحديد المستفيدين بصيغته الحالية، مع الإعلان عن إصلاحات تدريجية لن تدخل حيز التنفيذ الشامل، وفق تصريحات فوزي لقجع، إلا في مرحلة لاحقة من الولاية الحكومية.
وخلال رده على مداخلات الفرق والمجموعة النيابية عقب المناقشة العامة لمشروع قانون المالية، أكد لقجع استمرار العمل بالمؤشر الحالي، مع إدخال تعديلات تستهدف بعض الإشكالات التي أفرزها التطبيق، وفي مقدمتها حالات حرمان أسر من الدعم بسبب معطيات مرتبطة بتعبئة الهاتف النقال.
غير أن هذه التصريحات تفتح الباب أمام سؤال جوهري: إذا كانت الحكومة تقر بوجود اختلالات في معايير الاستفادة، فلماذا يستمر العمل بالنظام نفسه، بينما تنتظر الأسر المتضررة تصحيح وضعيتها واستعادة حقها في الاستفادة؟
لا تكمن المشكلة في اعتماد مؤشر رقمي لتحديد المستفيدين من الدعم، بل في مدى قدرته على عكس الوضع الاجتماعي والاقتصادي الحقيقي للأسر. فالمؤشرات التقنية، مهما بلغت دقتها، تظل بحاجة إلى مراجعة مستمرة حتى لا تتحول من أداة لتوجيه الدعم إلى حاجز إداري يحرم منه مستحقين فعليين.
والحديث عن أسر فقدت الاستفادة بسبب معطيات مرتبطة بتعبئة الهاتف النقال يطرح تساؤلات حول طبيعة المعايير المعتمدة، ومدى تناسبها مع الظروف المعيشية الفعلية للمواطنين. فهل يمكن اعتبار مؤشر واحد أو معطى جزئي دليلاً كافياً للحكم على الوضع المالي لأسرة بأكملها؟ وأين آليات التظلم وإعادة دراسة الملفات التي يعتبر أصحابها أنهم حُرموا من الدعم دون وجه حق؟
إن نجاح أي برنامج للدعم الاجتماعي لا يقاس فقط بعدد المستفيدين أو بحجم الاعتمادات المرصودة له، بل كذلك بقدرته على الوصول إلى الفئات المستحقة، وتصحيح الأخطاء بسرعة، وضمان الشفافية في قرارات القبول والرفض.
وأعلن لقجع أن الإصلاح سيجري على مراحل، وأن الحكومة ستعرض تصورها في وقت لاحق، مع توقع بلوغ مرحلة متقدمة من الإصلاح عند منتصف الولاية الحكومية. لكن هذا الأفق الزمني يثير تساؤلات بشأن الأسر التي تواجه اليوم تكاليف المعيشة، ولا تستطيع تأجيل حاجياتها الأساسية إلى حين استكمال الإصلاحات الإدارية والتقنية.
فالدعم الاجتماعي ليس ملفاً محاسبياً صرفاً، ولا ينبغي أن يظل أسير الجداول والمؤشرات والمواعيد الحكومية. إنه آلية لحماية الفئات التي تواجه الهشاشة، وهو ما يفرض على الحكومة الجمع بين إصلاح النظام على المدى المتوسط ومعالجة الحالات المتضررة بصورة مستعجلة.
وإذا كانت هناك متغيرات تؤثر بشكل جذري في المؤشر، كما أشار الوزير، فإن الأولوية ينبغي أن تكون لتحديدها بوضوح، ونشر معايير الاستفادة بلغة مفهومة، وتوفير مساطر تظلم فعالة تتيح مراجعة القرارات التي قد تكون مبنية على معطيات غير كافية أو غير محينة.
وتجد الحكومة نفسها اليوم أمام اختبار يتجاوز مجرد تعديل المؤشر. فالتحدي الحقيقي هو إثبات أن منظومة الدعم قادرة على التمييز بين الأسر وفق أوضاعها الاجتماعية الفعلية، لا وفق قراءات تقنية قد لا تعكس دائماً حقيقة دخلها وقدرتها على تحمل النفقات.
كما أن إصلاح النظام يستدعي توضيح العلاقة بين الدخل والمعايير الأخرى المعتمدة في تحديد الاستحقاق، والإفصاح عن أسباب رفض الطلبات أو توقيف الدعم، وتمكين الأسر من معرفة كيفية تصحيح بياناتها والاعتراض على القرارات التي تمسها.
إن التمسك بالمؤشر الحالي، بالتوازي مع الإقرار بالحاجة إلى إصلاحه، يضع الحكومة أمام مسؤولية تقديم ضمانات واضحة بشأن معالجة الاختلالات القائمة، بدل الاكتفاء بوعد إصلاح تدريجي قد تتأخر نتائجه عن حاجيات الفئات الأكثر هشاشة.
السؤال الذي ينتظر المواطنون جواباً عنه ليس متى ستقدم الحكومة تصورها الجديد فحسب، بل كيف ستضمن، إلى حين ذلك، ألا يُحرم مستحقون من الدعم بسبب معايير تحتاج إلى المراجعة؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد